الأربعاء، 9 مارس 2022

خطبة غض البصر

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى - أَيُّهَا النَّاسُ - حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللهَ فِي أنفُسِكُم، وفِي أسْمَاعِكُم، وَأبْصَارِكُم؛ فَسَتُسْأَلُونَ عَنْ كُلِّ هَذَا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ 

عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...﴾

غَضُّ البَصَرِ: (حِفْظُهُ، وَكَفُّهُ، وَصَرْفُهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ)

غَضُّ البَصَرِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ أمْرٌ مِنَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا لِلرِّجَالِ: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وَلِلنِّسَاءِ: ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾.

غَضُّ البَصَرِ وَحِفْظُ الفَرْجِ؛ طَهَارَةٌ، وَنَقَاءٌ، وَزَكَاءٌ: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.

غَضُّ البَصَرِ قَطْعٌ لِخُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؛ وَسَدٌ مَنِيعٌ بِإِذْنِ اللهِ دُونَ الفَوَاحِشِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ 

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ يَقُولُ ابنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَالْأَمْرُ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْغَضِّ مِنَ الْأَبْصَارِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ رَائِدُ الزِّنَى.

غَضُّ البَصَرِ عَنِ النِّسَاءِ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَمِنْ شِيَمِ الرِّجَالِ، وَكَمَا لَا يَرْضَى الرَّجُلُ أنْ يَنْظُرَ الرَّجِالُ إِلَى مَحَارِمِهِ؛ فَمِنَ المُرُوءَةِ ألَّا يَنْظُرَ هُوَ لِمَحَارِمِ غَيرِهِ.

غَضُّ البَصَرِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةُ الجَزَاءِ وَالثَّوَابِ؛ وَإِطْلَاقُهُ فِي المُحَرَّمَاتِ مَعْصِيَةٌ يَسْتَحِقُّ مُرْتَكِبُهَا العِقَابَ، وَهُوَ فِتْنَةٌ مِنْ أَشَدِّ الفِتَنِ، وَأَخْطَرِهَا، وَأَضَرِّهَا.

وَلِهَذَا تَحَدَّثَ العُلَمَاءُ عَن غَضِّ البَصَرِ كَثِيراً، وَحَذَّرُوا مِنْ إْطْلَاقِهِ فِيمَا لَا يَحِلُّ تَحْذِيرًا شَدِيدًا.

حَتَّى قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: وَإِنَّمَا بَالَغَ السَّلَفُ فِي الغَضِّ؛ حَذَرًا مِنْ فِتْنَةِ النَّظَرِ، وَخَوْفًا مِنْ عُقُوبَتِهِ.

فَأَمَّا فِتْنَتُهُ فَكَمْ مِنْ عَابِدٍ خَرَجَ عَنْ صَوْمَعَتِهِ بِسَبَبِ نَظْرَةٍ، وَكَمِ اسْتَغَاثَ مَنْ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ...الخ.

وَيَقُولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَنْ أَطْلَقَ بَصَرَهُ؛ أَوْرَدَ نَفْسَهُ مَوَارِدَ الْمُهْلِكَاتِ.

وَقِيلَ لِلإِمَامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ: رَجُلٌ تَابَ، وَقَالَ: لَو ضُرِبَ ظَهْرِي بِالسِّيَاطِ مَا دَخَلْتُ فِي مَعْصِيَةٍ، غَيْرَ أنَّهُ لَا يَدَعُ النَّظَرَ؟ فَقَالَ: أيُّ تَوبَةٍ هَذِهِ؟

أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ، وَلْنُجَاهِدْ أَنْفُسَنَا عَلَى غَضِّ أَبْصَارِنَا، وَلْنَسْعَ بِجِدٍ فِي كُلِّ مَا يُعِينُ عَلَى حِفْظِهَا.

وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ: مَعْرِفَةُ المَصَالِحِ فِي غَضِّ البَصَرِ وَحِفْظِهِ، وَالمَفَاسِدِ فِي إِطْلَاقِهِ.

فَأَعْظَمُ مَصْلَحَةٍ فِي حِفْظِهِ: الِاسْتِجَابَةُ وَالِامْتِثَالُ وَالِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ؛ كَمَا أنَّ أَعْظَمَ مَفَاسِدِه: المُخَالَفَةُ لأمْرِ اللهِ وَرَسُوِلِهِ ﷺ.

وحِفْظ البَصَرِ حِفْظٌ لِلْقَلبِ، وَتَضْيِيْعَهُ تَضْيِيْعٌ لِلْقَلْبِ؛ وَنَظْرَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ قَدْ تُفْسِدُ عَلَى صَاحِبِهَا قَلْبَهُ. 

يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: فَالنَّظَرُ دَاعِيَةٌ إلَى فَسَادِ الْقَلْبِ؛ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: النَّظَرُ سَهْمُ سُمٍّ إلَى الْقَلْبِ.

وغُضُّ البَصَرِ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ مِنْ فِتَنَةٍ عَظِيمَةٍ؛ وَصَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَولِهِ: (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) رواه البخاري.

غُضُّ البَصَرِ حِفْظٌ لِلْعَينِ مِنَ الزِّنَا؛ ففي الحديث: (فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ) رواه البخاري ومسلم.

سُئِلَ أَحَدُ السَّلَفِ: بِمَ يُستَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟ قَالَ: بِعِلمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللهِ إِلَيكَ أَسبَقُ مِن نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنظُرُه.

فَإِذَا دَعَتِ النَّفْسُ وَالهَوَى لِلنَّظَرِ المُحَرَّمِ؛ فَلْتُذَكَّرْ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ 

وَبِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ 

الخطبة الثانية:

الحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ؛ أمَّا بَعدُ:

فَإِنَّ مِنْ أعْظَمِ العَونِ عَلَى تَرْكِ المَعَاصِي؛ سَوَاءً النَّظَرَ المُحَرَّمَ أَمْ غَيْرَهُ: المُحَافَظَةُ عَلَى الفَرَائِضِ وَالإِكْثَارُ مِنَ النَّوَافِلِ؛ وَفِي الحَدِيثِ: (احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ)

وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ: مَا أوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ). رَوَاه البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ صَرْفُ النَّظَرِ؛ يَقُولُ جَرِيرُ بْنِ عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي) رواه مسلم. 

قَالَ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ فِي الْحَالِ؛ فَإِنْ صَرَفَ فِي الْحَالِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَدَامَ النَّظَرَ أَثِمَ.

عِبَادَ اللهِ: وَحَتَّى نَحْفَظَ أَبْصَارَنَا عَنِ المُحَرَّمَاتِ؛ عَلَيْنَا أَلَّا نُعَرِّضَ أَنْفُسَنَا لَهَا؛ وَأَنْ نَجْتَنِبَ أَمَاكِنَ تَجَمُّعِ النِّسَاءِ، وَاخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ، وَفُضُولَ النَّظَرِ، وَإِطْلَاقَ البَصَرِ فِي صُوَرِ النِّسَاءِ فِي قَنَوَاتِ أوْ جَوَّالَاتٍ أوْ غَيْرِهَا؛ فَقَدِ اسْتَخَفَّ أُنَاسٌ بِذَلِكَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ سُوءَ عَمَلِهِم، فَأَلِفُوا المَعْصِيَةَ لِكَثْرَةِ وُرُودِهَا؛ وَالحَقُّ أنَّ هَذَا لَيْسَ مُبَرِّرًا، بَلْ كُلَّمَا اشْتَدَّتِ الفِتْنَةُ وَتَيَسَّرَتْ سُبُلُ المَعْصِيَةِ؛ تَأَكَّدَ عَلَى المُسْلِمِ مُدَافَعَتُهَا، وَعَظُمَ الأَجْرُ فِي مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى تَرْكِهَا. 

إِنَّ الأَمْرَ خَطِيرٌ، وَيَزْدَادُ خُطُورَةً فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ تَبَرُّجُ النِّسَاءِ، وَخُرُوجُهُنَّ لِلأَسْوَاقِ مُتَزَيِّنَاتٍ مُتَعَطِّرَاتٍ، وَمَلَأتْ صُوَرُهُنَّ الفَضَائِيَّاتِ، وَالجَوَّالاتِ، يَشْتَدُّ الخَطَرُ عِنْدَمَا تَنَازَلَ رِجَالٌ عَنْ قَوَامَتِهِمْ، وَتَخَلَّوا عَنْ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ.

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا جَمِيعًا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا هُوَ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا هُوَ.

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى خَاتَمِ المُرْسَلِيْنَ وَالمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ وسلم وبارك عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ. وأرض اللهم عن صحابة رسولك وتابعيهم.

اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوابُ الرَّحِيْمُ، وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا.

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ 

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ظُلْمًا كَثِيْرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لَنَا مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ﴾ .

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ.

اللَّهُمَّ أصْلِحْ أئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا وَإِيَّاهُمْ لِهُدَاكَ، واجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَدِينَنَا وَبِلَادَنَا بِسُوءٍ فَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَيهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.

عِبَادَ اللهِ: اُذْكُرُوا اللهَ العَلِيَّ الْعَظِيْمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.








خطبة فضل شهر شعبان

أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ  ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا

عباد الله: لقد فضل الله تعالى بعض الأزمنة على بعض، وجعل لها من المزايا ما يحث المؤمن على الحرص على استغلالها، وإن من هذه الأزمنة: شَهْرُ شَعْبَانَ الْمُوَطِّيءُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَالْمقَدِّمُ لَهُ، لِذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ، أَكَبُّوا عَلَى المَصَاحِفِ فَقَرَؤُوهَا، وَاخْرَجُوا صدقاتهم تَقْوِيَةً لِلْضَعِيفِ وَالمِسْكِينِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ.

عباد الله: إِنَّ صِيامَ شَعْبَانَ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ عَائِشَةُ رِضِيَ اللهُ عَنْهَا: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ، شَعْبَانُ بَلْ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ»

عِبَادَ اللهِ، اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ حَدِيثُ: (إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى رَمَضَانِ) وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَصْحِيحِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ كِبَارُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ، لَمْ يَرْوِ العَلَاءُ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْهُ، وَقَالَ الطَّحَاوِي، رَحِمَهُ اللهُ:حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ، وَالإِجْمَاعُ عَلَى تَرْكِ العَمَلِ بِهِ.

وَاشْتُهِرَ أَيْضًا فَضِيلَةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، اسْتِنَادًا عَلَى حِدِيثٍ ضَعِيفٍ، حَتَّى أَصْبَحَتْ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ تُضَاهِي إِنْ لَمْ تَتَمْيَّزْ عَلَى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، يُصَامُ يَوْمُهَا وُيُحْيَ لَيْلُهَا وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَيَحْتَفِلُونَ فِيهَا، وَرُبَّمَا يُزَيِّنُوا بُيُوتَهُمْ، وَكُلُّ هَذَا مِنَ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ، الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا ﷺ وَلَا صَحْبُهُ، وَلَا مَنْ تَابَعُوهُمْ، وَهُمْ الحُجَّةُ لِمَنْ أَرَادَ سَوَاءَ السَّبِيلِ، أَمَّا مَنْ أَحْدَثُوا الْبِدَعَ فِي هَذِهِ الَّليْلَةِ وَ نَهَارِهَا، فَهُمْ مبتدعة، وَلَيْتَهُمْ صَامُوهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، أَوْ صَامُوهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ البِيضِ، بَلْ صَامُوهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ النِّصْفُ مِنْ شَعْباَنَ، اسْتِنَادًا عَلَى حَدِيثٍ ضَعِيفٍ.

وتجد كثير من الناس يطلب بالمسامحة والصفح قبل ليلة النصف من شعبان ويحذرون من الشرك في تلك اللية، وَتَصْفِيَةِ الْأَنْفُسِ مِنْ الْأَحْقَاِد وَالْأَضْغَانِ، استناداً على حديث ضعيف ذكر فيه أن الله ﷻ يطلع على خلقه في ليلة النصف من شعبان.

والصفح والحذر من الشرك لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، بَلْ قَالَ ﷺ:"تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَأَعْظَمُ الشَّحْنَاءِ الَّتِي يَجِبُ الحَذَرُ مِنْهَا، مَا تَخْتَلِجُهُ الأَنْفُسُ الْخَبِيثَةُ مِنْ شَحْنَاءَ عَلَى صَحْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَحْمِلُهُ أَنْفُسُ الجهال على بعض صحب رسول الله ﷺ، كَذَلِكَ سَلَامَةُ الصُّدُورِ عَلَى سَلَفِ الأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا، وَوُلَاةِ الْأَمْرِ، وَرِجَالِ الحُسْبَةِ، وَعُمُومِ المُسْلِمِينَ، وِإِرَادَةِ الخَيْرِ لَهُمْ.

عباد الله: علينا ان نحذر من الأمن من مكر الله سبحانه وذلك بالإقامة على معاصيه والتهاون بحقه، والله يملي ويزيد من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره، فهؤلاء جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرتهم بسبب إقامتهم على معاصيه وأمنهم من عقابه وغضبه، كما قال سبحانه: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)

فالواجب على المسلمين ألا يقنطوا من رحمة الله ولا يأمنوا من مكره وعقوبته، بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا الدار الفانية بين الخوف والرجاء، فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره، ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه فيحسن به الظن ويرجو كرمه وعفوه، والله الموفق سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِي-رَحِمَهُ الله -: مَنْ يَأْمَنِ البَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟ فَلَا يَأْمَنُ الوُقُوعَ فِي الشِّرْكِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَبِمَا يُخْلِصْهُ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: (َاخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: الرِّيَاءُ)

كَذَلِكَ الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ شِرْكِ الْمَحَبَّةِ، وَالَّذِي يَقَعُ فِيهِ بَعْضُ النَّاشِئَةِ، مِمَّنْ فُتِنُوا بِالتَّعَصُّبِ الرِّيَاضِيِّ حَتَّى قَدَّمُوا مَحْبُوبَ أَنْدَيَتِهِمْ عَلَى مَحْبُوبِ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلّ، فَهَذَا أَمْرٌ خَطِيرٌ.

كَذَلِكَ الْحَذَرُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا فَفِي الْحَدِيثِ: (تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقطيفَةِ وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعطَ لَمْ يَرْضَ) فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ، ﷺ، عَابِدًا للدُّنْيَا؛ لأَنَّهُ مَفْتُونٌ بِهَا.

الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِمنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

———— الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:—————

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ...

عِبَادَ اللهِ: عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»

فكان الصَّحابةُ رَضِي اللهُ عنهم يَرقُبون رَسولَ اللهِ ﷺ في عِباداتِه ومُعاملاتِه وفي كلِّ حَياتِه، ومِن ذلك مُراقبتُهُم له في صِيامِه؛ الْفَرْضِ منه والتَّطوُّعِ؛ لِيَتعلَّموا منه.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ أُسامةُ بنُ زيدٍ رَضِي اللهُ عنهما: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لم أَركَ تَصومُ شَهرًا مِنَ الشُّهورِ ما تَصومُ مِن شعبانَ؟" أي: لا تُكثِرُ مِن صِيامِ التَّطوُّعِ في شَهرٍ مِن شُهورِ السَّنةِ بِمثلِ ما تُكثِرُ في صِيامِ شَعبانَ، فقال النَّبيُّ ﷺ لأسامة مُبيِّنًا له سَببَ صِيامِهِ: "ذلك شَهرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنه بَين رجبٍ ورَمضانَ"، أي: يَسْهو النَّاسُ عنه لِإكثارِهِمُ العِبادةَ في هَذَينِ الشَّهرينِ، "وهوَ شَهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمالُ"، أي: أَعمالُ بَني آدمَ مِنَ الخيرِ والشَّرِّ والطَّاعةِ والمَعصيةِ، "إلى رَبِّ العالمينَ"؛ فلِذلك يَنبغي أن تكونَ الأعمالُ فيه صالِحةً، "فأُحِبُّ أن يُرفَعَ عَملي وأنا صائمٌ"؛ أي: لِأنَّ مِن أفضلِ الأعمالِ عِندَ اللهِ مِن عِبادِه الصَّومَ، أو أنَّ الأعمالَ الصالحَةَ إذا صاحَبَها الصَّومُ رَفَع مِن قَدرِها، وأثبَتَ خُلوصَها للهِ عزَّ وجلَّ.

قيل: إنَّ المُرادَ بِالأعمالِ الَّتي تُرفَعُ إليه في شَهرِ شَعبانَ هيَ أعمالُ السَّنةِ، وقد جاء في الصَّحيحَيْن مِن حَديثِ أبي موسى الأشعَريِّ رَضِي اللهُ عنه أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ "يُرفَعُ إليه عَملُ اللَّيلِ قبلَ عَملِ النَّهارِ، وعَملُ النَّهارِ قبلَ عَملِ اللَّيلِ"، وأنَّ أعمالَ الأُسبوعِ تُعرَضُ يومَ الإثنَيْن ويومَ الخميسِ، كما في رِوايةِ أبي داودَ والنَّسائيِّ أيضًا، وقيل: هذا يَحتمِلُ عَرْضَها في السَّنةِ جُملةً، ويَحتمِلُ عَرْضَها في الأيَّامِ أوِ الأُسبوعِ تَفصيلًا أوِ العَكسَ؛ فكأنَّ الأعمالَ تُعرَضُ عرضًا بَعد عَرْضٍ، ولِكلِّ عَرْضٍ حِكمةٌ يُطْلِعُ اللهُ تَعالَى عليها مَن يَشاءُ مِن خَلقِه، أو يَستأثِرُ بِها عندَه مع أنَّه تعالى لا يَخفى عليهِ مِن أعمالِهِم خافيةٌ.

وفي الحَديثِ: أنَّ شَهرَ شَعبانَ مِنَ الأَشهُرِ المُرغَّبِ فيها بالصَّومِ.

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.

اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. 

اللهم احفظ بلادنا من كيد الكائدين وعدوان المعتدين، اللهم انصرها على من يكيد لها في داخلها وخارجها، اللهم احفظ لبلادنا دينها وأمنها وعزتها وعقيدتها وسيادتها واقتصادها، اللهم أصلح أهلها وحكامها واجمع كلمتهم وألف بين قلوبهم واجعلهم يدا واحدة على من عاداهم يا قوي يا عزيز.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. 

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْـمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.