الخميس، 9 يونيو 2022

خطبة زواج النبي ﷺ من عائشة رضي الله عنها

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وصحبه أجمعين.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاسْتَقِيمُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِهِ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ، وَالْزَمُوا طَاعَتَهُ، وَاحْذَرُوا مَعْصِيَتَهُ؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا إِلَى زَوَالٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ مُفَارِقُهَا لَا مَحَالَةَ مَهْمَا كَانَتْ مَكَانَتُهُ، وَمَهْمَا كَثُرَ جَمْعُهُ، وَمَهْمَا غَرَّتْهُ قُوَّتُهُ، فَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ غَرَّتْهُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى وَافَتْهُ الْمَنُونُ بِعَمَلٍ لَا يَسُرُّهُ فِي آخِرَتِهِ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ

أَيُّهَا النَّاسُ: مَنْ أَحَبَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ سِيرَتَهُ، وَالْتَزَمَ سُنَّتَهُ، وَعَرَفَ أَحْوَالَهُ وَأَخْبَارَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا أَحَبَّ مَعْرِفَةَ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَحَبَّةِ مَنْ دَلَّ الْعَبْدَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَرَّفَهُ دِينَهُ، وَهَدَاهُ صِرَاطَهُ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مَحَبَّتَهُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى مَحَبَّةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَجِيبٍ فِيهِ قِصَّةُ زَوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ زَوْجَاتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، وَفِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ؛ فَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، قَالَا: «لَمَّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَزَوَّجُ؟ قَالَ: مَنْ؟ قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا؟ قَالَ: فَمَنِ الْبِكْرُ؟ قَالَتِ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْكَ؛ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ قَالَتْ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، آمَنَتْ بِكَ، وَاتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا تَقُولُ، قَالَ: فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ، فَدَخَلَتْ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أُمَّ رُومَانَ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَةَ، قَالَتِ: انْتَظِرِي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى يَأْتِيَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْطُبُ عَلَيْهِ عَائِشَةَ، قَالَ: وَهَلْ تَصْلُحُ لَهُ؟ إِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أَخِيهِ. 

فَرَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ: أَنَا أَخُوكَ وَأَنْتَ أَخِي فِي الْإِسْلَامِ، وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي، فَرَجَعَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: انْتَظِرِي، وَخَرَجَ، قَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: إِنَّ مُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ قَدْ كَانَ ذَكَرَهَا عَلَى ابْنِهِ، فَوَاللَّهِ مَا وَعَدَ وَعْدًا قَطُّ فَأَخْلَفَهُ -لِأَبِي بَكْرٍ- فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ وَعِنْدَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ الْفَتَى، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، لَعَلَّكَ مُصْبِئٌ صَاحِبَنَا، مُدْخِلُهُ فِي دِينِكَ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ إِنْ تَزَوَّجَ إِلَيْكَ، (تَقْصِدُ أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ وَلَدُهَا عَائِشَةَ دَعَاهُ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ لِلْإِسْلَامِ وَهِيَ لَا تَرْضَى ذَلِكَ لِابْنِهَا) قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ: أَقَوْلٌ هَذِهِ تَقُولُ، قَالَ: إِنَّهَا تَقُولُ ذَلِكَ، (وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ وَافَقَ زَوْجَتَهُ فِي رَفْضِ عَائِشَةَ زَوْجَةً لِابْنِهِمْ؛ خَوْفًا مِنْ تَأْثِيرِ أَبِي بَكْرٍ عَلَيْهِ فَيُسْلِمُ) فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَقَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عِدَتِهِ الَّتِي وَعَدَهُ فَرَجَعَ، فَقَالَ لِخَوْلَةَ: ادْعِي لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَتْهُ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ وَعَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ خَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقَالَتْ: مَاذَا أَدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: مَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَخْطُبُكِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: وَدِدْتُ، ادْخُلِي إِلَى أَبِي فَاذْكُرِي ذَاكَ لَهُ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الْحَجِّ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَحَيَّتْهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، قَالَ: فَمَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَرْسَلَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْطُبُ عَلَيْهِ سَوْدَةَ، قَالَ: كُفْءٌ كَرِيمٌ، مَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُكِ؟ قَالَتْ: تُحِبُّ ذَاكَ، قَالَ: ادْعِيهَا لِي فَدَعَتْهَا، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، إِنَّ هَذِهِ تَزْعُمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَرْسَلَ يَخْطُبُكِ، وَهُوَ كُفْءٌ كَرِيمٌ، أَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكِ بِهِ، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ادْعِيهِ لِي، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، فَجَاءَهَا أَخُوهَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ مِنَ الْحَجِّ، فَجَعَلَ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ؛ (أَيْ: مُعْتَرِضًا عَلَى زَوَاجِ أُخْتِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ) فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: لَعَمْرُكَ إِنِّي لَسَفِيهٌ يَوْمَ أَحْثِي فِي رَأْسِي التُّرَابَ أَنْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ مِنَ الْخَزْرَجِ فِي السُّنْحِ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ بَيْتَنَا وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَنِسَاءٌ، فَجَاءَتْ بِي أُمِّي وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ بَيْنَ عِذْقَيْنِ تَرْجَحُ بِي، فَأَنْزَلَتْنِي مِنَ الْأُرْجُوحَةِ، وَلِي جُمَيْمَةٌ فَفَرَقَتْهَا، وَمَسَحَتْ وَجْهِي بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَقُودُنِي حَتَّى وَقَفَتْ بِي عِنْدَ الْبَابِ، وَإِنِّي لَأَنْهَجُ حَتَّى سَكَنَ مِنْ نَفَسِي، ثُمَّ دَخَلَتْ بِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ فِي بَيْتِنَا، وَعِنْدَهُ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَجْلَسَتْنِي فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: هَؤُلَاءِ أَهْلُكِ فَبَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهِمْ، وَبَارَكَ لَهُمْ فِيكِ، فَوَثَبَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَخَرَجُوا وَبَنَى بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِنَا، مَا نُحِرَتْ عَلَيَّ جَزُورٌ، وَلَا ذُبِحَتْ عَلَيَّ شَاةٌ، حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيْنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بِجَفْنَةٍ كَانَ يُرْسِلُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذَا دَارَ إِلَى نِسَائِهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. 

فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ عَائِشَةَ وَجَمِيعِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَجَمَعَنَا بِهِمْ فِي دَارِ النَّعِيمِ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ سَوْدَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِمَكَّةَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَدَخَلَ بِسَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي مَكَّةَ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِصِغَرِ سِنِّهَا حَتَّى بَلَغَتْ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَنَاتُ قُرَيْشٍ يَبْلُغْنَ فِي سِنِّ التَّاسِعَةِ.

فليس في زواج النبي ﷺ بعائشة رضي الله عنها وهي تسع سنوات شيء يستنكر ، فمن المعلوم أن سن بلوغ المرأة يختلف حسب العرق وحسب المناخ ، ففي المناطق الحارة تبلغ الجارية مبكرا ، بينما في المناطق القطبية الباردة قد يتأخر البلوغ حتى سن 21 سنة .

قال الترمذي : قالت عائشة : إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة . "سنن الترمذي" (2/409).

وقال الإمام الشافعي : " رأيت باليمن بنات تسع يحضن كثيرا " . "سير أعلام النبلاء" (10 / 91).

وروى البيهقي (1588) عَنِ الشَّافِعِىِّ قَالَ : " أَعْجَلُ مَنْ سَمِعْتُ بِهِ مِنَ النِّسَاءِ يَحِضْنَ نِسَاءٌ بِتِهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ " .

وقَالَ الشَّافِعِىُّ أيضا : " رَأَيْتُ بِصَنْعَاءَ جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، حَاضَتْ ابْنَةَ تِسْعٍ وَوَلَدَتْ ابْنَةَ عَشْرٍ ، وَحَاضَتِ الْبِنْتُ ابْنَةَ تِسْعٍ وَوَلَدَتْ ابْنَةَ عَشْرٍ " ."السنن الكبرى للبيهقي" (1 / 319).

فعلى هذا ؛ فقد دخل الرسول ﷺ بعائشة رضي الله عنها وهي بالغة أو قد قاربت البلوغ .

وإذا تأمّلنا في أن النبي ﷺ لم يتزوّج بكراً غير عائشة رضي الله عنها ، وكلّ زوجاته سبق لهنّ الزواج قبله زال عنا ما يشيعه أكثر الطاعنين من أن زواج النبي ﷺ مبعثه الأساسي هو الشهوة والتنعّم بالنساء ، إذ من كان هذا مقصده فإنّه لا يتخيّر في كلّ زوجاته أو معظمهن من توفرت فيها صفات الجمال والترغيب من كونها بكراً فائقة الجمال ، ونحو ذلك من المعايير الحسية الزائلة .

ومثل هذه المطاعن في نبي الرحمة ﷺ من الكفّار ونحوهم تدلّ على تمام عجزهم من أن يطعنوا في الشرع والدين الذي جاء به من عند الله تعالى ، فحاولوا أن يبحثوا عن مطاعن لهم في أمور خارجة ، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون .

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

اللهمَّ صلِّ وسلم عليه عددَ ما صُليَ عليه من أولِ الدنيا إلى آخرِها، اللهمَّ وارضَ عن أصحابِه الخلفاءِ؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وعن زوجاتِه أمهاتِ المؤمنينَ، وعن بقيةِ الصَّحابةِ أَجمعينَ، اللهمَّ ارضَ عن التابعينَ وتَابعي التابعينَ، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، اللهمَّ ارضَ عَنَّا مَعهُم بِمَنِّكَ وكَرمِكَ وجُودِكَ وإحسَانِكَ يا ربَّ العالمينَ.

اللهمَّ اجمعْ شَملَ المسلمينَ، وأَلِّفْ ذَاتَ بَينِهم، وعَلِّقْ قُلوبَ صِغارِهم وكِبارِهم ورِجالِهم ونِسائهم بالاقتداءِ بنَبيِّكَ مُحمدٍ، اللهمَّ صلِّ وسلم على عبدِك ورسولِك محمدٍ

اللهمَّ أَعزَّ الإسلامَ وانصُرِ المسلمينَ، اللهمَّ أذلَّ الشركَ والمشركينَ، اللهمَّ دَمِّرْ أَعداءَ الدينِ.

اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وبارك لنا في دنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، وارزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الخير وتدله عليه، واجعله حربًا على أعدائك، سلمًا لأوليائك، ووفقه إلى ما تحبه وترضاه، إنك جواد كريم.


الأربعاء، 9 مارس 2022

خطبة غض البصر

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى - أَيُّهَا النَّاسُ - حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللهَ فِي أنفُسِكُم، وفِي أسْمَاعِكُم، وَأبْصَارِكُم؛ فَسَتُسْأَلُونَ عَنْ كُلِّ هَذَا: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ 

عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...﴾

غَضُّ البَصَرِ: (حِفْظُهُ، وَكَفُّهُ، وَصَرْفُهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ)

غَضُّ البَصَرِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ أمْرٌ مِنَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا لِلرِّجَالِ: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وَلِلنِّسَاءِ: ﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾.

غَضُّ البَصَرِ وَحِفْظُ الفَرْجِ؛ طَهَارَةٌ، وَنَقَاءٌ، وَزَكَاءٌ: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.

غَضُّ البَصَرِ قَطْعٌ لِخُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؛ وَسَدٌ مَنِيعٌ بِإِذْنِ اللهِ دُونَ الفَوَاحِشِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ 

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ يَقُولُ ابنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَالْأَمْرُ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ عَقِبَ الْأَمْرِ بِالْغَضِّ مِنَ الْأَبْصَارِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ رَائِدُ الزِّنَى.

غَضُّ البَصَرِ عَنِ النِّسَاءِ مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَمِنْ شِيَمِ الرِّجَالِ، وَكَمَا لَا يَرْضَى الرَّجُلُ أنْ يَنْظُرَ الرَّجِالُ إِلَى مَحَارِمِهِ؛ فَمِنَ المُرُوءَةِ ألَّا يَنْظُرَ هُوَ لِمَحَارِمِ غَيرِهِ.

غَضُّ البَصَرِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةُ الجَزَاءِ وَالثَّوَابِ؛ وَإِطْلَاقُهُ فِي المُحَرَّمَاتِ مَعْصِيَةٌ يَسْتَحِقُّ مُرْتَكِبُهَا العِقَابَ، وَهُوَ فِتْنَةٌ مِنْ أَشَدِّ الفِتَنِ، وَأَخْطَرِهَا، وَأَضَرِّهَا.

وَلِهَذَا تَحَدَّثَ العُلَمَاءُ عَن غَضِّ البَصَرِ كَثِيراً، وَحَذَّرُوا مِنْ إْطْلَاقِهِ فِيمَا لَا يَحِلُّ تَحْذِيرًا شَدِيدًا.

حَتَّى قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ: وَإِنَّمَا بَالَغَ السَّلَفُ فِي الغَضِّ؛ حَذَرًا مِنْ فِتْنَةِ النَّظَرِ، وَخَوْفًا مِنْ عُقُوبَتِهِ.

فَأَمَّا فِتْنَتُهُ فَكَمْ مِنْ عَابِدٍ خَرَجَ عَنْ صَوْمَعَتِهِ بِسَبَبِ نَظْرَةٍ، وَكَمِ اسْتَغَاثَ مَنْ وَقَعَ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ...الخ.

وَيَقُولُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: فَمَنْ أَطْلَقَ بَصَرَهُ؛ أَوْرَدَ نَفْسَهُ مَوَارِدَ الْمُهْلِكَاتِ.

وَقِيلَ لِلإِمَامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ: رَجُلٌ تَابَ، وَقَالَ: لَو ضُرِبَ ظَهْرِي بِالسِّيَاطِ مَا دَخَلْتُ فِي مَعْصِيَةٍ، غَيْرَ أنَّهُ لَا يَدَعُ النَّظَرَ؟ فَقَالَ: أيُّ تَوبَةٍ هَذِهِ؟

أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ، وَلْنُجَاهِدْ أَنْفُسَنَا عَلَى غَضِّ أَبْصَارِنَا، وَلْنَسْعَ بِجِدٍ فِي كُلِّ مَا يُعِينُ عَلَى حِفْظِهَا.

وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ: مَعْرِفَةُ المَصَالِحِ فِي غَضِّ البَصَرِ وَحِفْظِهِ، وَالمَفَاسِدِ فِي إِطْلَاقِهِ.

فَأَعْظَمُ مَصْلَحَةٍ فِي حِفْظِهِ: الِاسْتِجَابَةُ وَالِامْتِثَالُ وَالِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ؛ كَمَا أنَّ أَعْظَمَ مَفَاسِدِه: المُخَالَفَةُ لأمْرِ اللهِ وَرَسُوِلِهِ ﷺ.

وحِفْظ البَصَرِ حِفْظٌ لِلْقَلبِ، وَتَضْيِيْعَهُ تَضْيِيْعٌ لِلْقَلْبِ؛ وَنَظْرَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ قَدْ تُفْسِدُ عَلَى صَاحِبِهَا قَلْبَهُ. 

يَقُولُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: فَالنَّظَرُ دَاعِيَةٌ إلَى فَسَادِ الْقَلْبِ؛ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: النَّظَرُ سَهْمُ سُمٍّ إلَى الْقَلْبِ.

وغُضُّ البَصَرِ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ مِنْ فِتَنَةٍ عَظِيمَةٍ؛ وَصَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَولِهِ: (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) رواه البخاري.

غُضُّ البَصَرِ حِفْظٌ لِلْعَينِ مِنَ الزِّنَا؛ ففي الحديث: (فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ) رواه البخاري ومسلم.

سُئِلَ أَحَدُ السَّلَفِ: بِمَ يُستَعَانُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ؟ قَالَ: بِعِلمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللهِ إِلَيكَ أَسبَقُ مِن نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنظُرُه.

فَإِذَا دَعَتِ النَّفْسُ وَالهَوَى لِلنَّظَرِ المُحَرَّمِ؛ فَلْتُذَكَّرْ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ 

وَبِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ 

الخطبة الثانية:

الحَمْدُ لِلهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ؛ أمَّا بَعدُ:

فَإِنَّ مِنْ أعْظَمِ العَونِ عَلَى تَرْكِ المَعَاصِي؛ سَوَاءً النَّظَرَ المُحَرَّمَ أَمْ غَيْرَهُ: المُحَافَظَةُ عَلَى الفَرَائِضِ وَالإِكْثَارُ مِنَ النَّوَافِلِ؛ وَفِي الحَدِيثِ: (احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ)

وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى غَضِّ البَصَرِ: مَا أوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ). رَوَاه البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ صَرْفُ النَّظَرِ؛ يَقُولُ جَرِيرُ بْنِ عَبْدِ اللهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي) رواه مسلم. 

قَالَ النَوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَ بَصَرَهُ فِي الْحَالِ؛ فَإِنْ صَرَفَ فِي الْحَالِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَدَامَ النَّظَرَ أَثِمَ.

عِبَادَ اللهِ: وَحَتَّى نَحْفَظَ أَبْصَارَنَا عَنِ المُحَرَّمَاتِ؛ عَلَيْنَا أَلَّا نُعَرِّضَ أَنْفُسَنَا لَهَا؛ وَأَنْ نَجْتَنِبَ أَمَاكِنَ تَجَمُّعِ النِّسَاءِ، وَاخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ، وَفُضُولَ النَّظَرِ، وَإِطْلَاقَ البَصَرِ فِي صُوَرِ النِّسَاءِ فِي قَنَوَاتِ أوْ جَوَّالَاتٍ أوْ غَيْرِهَا؛ فَقَدِ اسْتَخَفَّ أُنَاسٌ بِذَلِكَ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ سُوءَ عَمَلِهِم، فَأَلِفُوا المَعْصِيَةَ لِكَثْرَةِ وُرُودِهَا؛ وَالحَقُّ أنَّ هَذَا لَيْسَ مُبَرِّرًا، بَلْ كُلَّمَا اشْتَدَّتِ الفِتْنَةُ وَتَيَسَّرَتْ سُبُلُ المَعْصِيَةِ؛ تَأَكَّدَ عَلَى المُسْلِمِ مُدَافَعَتُهَا، وَعَظُمَ الأَجْرُ فِي مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى تَرْكِهَا. 

إِنَّ الأَمْرَ خَطِيرٌ، وَيَزْدَادُ خُطُورَةً فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ تَبَرُّجُ النِّسَاءِ، وَخُرُوجُهُنَّ لِلأَسْوَاقِ مُتَزَيِّنَاتٍ مُتَعَطِّرَاتٍ، وَمَلَأتْ صُوَرُهُنَّ الفَضَائِيَّاتِ، وَالجَوَّالاتِ، يَشْتَدُّ الخَطَرُ عِنْدَمَا تَنَازَلَ رِجَالٌ عَنْ قَوَامَتِهِمْ، وَتَخَلَّوا عَنْ مَسْؤُولِيَّتِهِمْ.

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا جَمِيعًا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا هُوَ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا هُوَ.

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى خَاتَمِ المُرْسَلِيْنَ وَالمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِيْنَ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ وسلم وبارك عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ. وأرض اللهم عن صحابة رسولك وتابعيهم.

اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوابُ الرَّحِيْمُ، وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا.

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ 

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ظُلْمًا كَثِيْرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لَنَا مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيْمُ﴾ .

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ.

اللَّهُمَّ أصْلِحْ أئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا وَإِيَّاهُمْ لِهُدَاكَ، واجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا وَدِينَنَا وَبِلَادَنَا بِسُوءٍ فَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَيهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.

عِبَادَ اللهِ: اُذْكُرُوا اللهَ العَلِيَّ الْعَظِيْمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.








خطبة فضل شهر شعبان

أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ  ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا

عباد الله: لقد فضل الله تعالى بعض الأزمنة على بعض، وجعل لها من المزايا ما يحث المؤمن على الحرص على استغلالها، وإن من هذه الأزمنة: شَهْرُ شَعْبَانَ الْمُوَطِّيءُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَالْمقَدِّمُ لَهُ، لِذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا دَخَلَ شَعْبَانُ، أَكَبُّوا عَلَى المَصَاحِفِ فَقَرَؤُوهَا، وَاخْرَجُوا صدقاتهم تَقْوِيَةً لِلْضَعِيفِ وَالمِسْكِينِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ.

عباد الله: إِنَّ صِيامَ شَعْبَانَ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ عَائِشَةُ رِضِيَ اللهُ عَنْهَا: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ، شَعْبَانُ بَلْ كَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ»

عِبَادَ اللهِ، اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ حَدِيثُ: (إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى رَمَضَانِ) وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي تَصْحِيحِهِ وَتَضْعِيفِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ كِبَارُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ، لَمْ يَرْوِ العَلَاءُ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْهُ، وَقَالَ الطَّحَاوِي، رَحِمَهُ اللهُ:حَدِيثٌ مَنْسُوخٌ، وَالإِجْمَاعُ عَلَى تَرْكِ العَمَلِ بِهِ.

وَاشْتُهِرَ أَيْضًا فَضِيلَةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، اسْتِنَادًا عَلَى حِدِيثٍ ضَعِيفٍ، حَتَّى أَصْبَحَتْ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ تُضَاهِي إِنْ لَمْ تَتَمْيَّزْ عَلَى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، يُصَامُ يَوْمُهَا وُيُحْيَ لَيْلُهَا وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّيهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَيَحْتَفِلُونَ فِيهَا، وَرُبَّمَا يُزَيِّنُوا بُيُوتَهُمْ، وَكُلُّ هَذَا مِنَ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ، الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا ﷺ وَلَا صَحْبُهُ، وَلَا مَنْ تَابَعُوهُمْ، وَهُمْ الحُجَّةُ لِمَنْ أَرَادَ سَوَاءَ السَّبِيلِ، أَمَّا مَنْ أَحْدَثُوا الْبِدَعَ فِي هَذِهِ الَّليْلَةِ وَ نَهَارِهَا، فَهُمْ مبتدعة، وَلَيْتَهُمْ صَامُوهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، أَوْ صَامُوهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ البِيضِ، بَلْ صَامُوهُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ النِّصْفُ مِنْ شَعْباَنَ، اسْتِنَادًا عَلَى حَدِيثٍ ضَعِيفٍ.

وتجد كثير من الناس يطلب بالمسامحة والصفح قبل ليلة النصف من شعبان ويحذرون من الشرك في تلك اللية، وَتَصْفِيَةِ الْأَنْفُسِ مِنْ الْأَحْقَاِد وَالْأَضْغَانِ، استناداً على حديث ضعيف ذكر فيه أن الله ﷻ يطلع على خلقه في ليلة النصف من شعبان.

والصفح والحذر من الشرك لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، بَلْ قَالَ ﷺ:"تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَأَعْظَمُ الشَّحْنَاءِ الَّتِي يَجِبُ الحَذَرُ مِنْهَا، مَا تَخْتَلِجُهُ الأَنْفُسُ الْخَبِيثَةُ مِنْ شَحْنَاءَ عَلَى صَحْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَحْمِلُهُ أَنْفُسُ الجهال على بعض صحب رسول الله ﷺ، كَذَلِكَ سَلَامَةُ الصُّدُورِ عَلَى سَلَفِ الأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا، وَوُلَاةِ الْأَمْرِ، وَرِجَالِ الحُسْبَةِ، وَعُمُومِ المُسْلِمِينَ، وِإِرَادَةِ الخَيْرِ لَهُمْ.

عباد الله: علينا ان نحذر من الأمن من مكر الله سبحانه وذلك بالإقامة على معاصيه والتهاون بحقه، والله يملي ويزيد من النعم والخيرات وهم مقيمون على معاصيه وخلاف أمره، فهؤلاء جديرون بأن يؤخذوا على غفلتهم ويعاقبوا على غرتهم بسبب إقامتهم على معاصيه وأمنهم من عقابه وغضبه، كما قال سبحانه: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)

فالواجب على المسلمين ألا يقنطوا من رحمة الله ولا يأمنوا من مكره وعقوبته، بل يجب على كل مسلم أن يسير إلى الله سبحانه في هذه الدنيا الدار الفانية بين الخوف والرجاء، فيذكر عظمته وشدة عقابه إذا خالف أمره، ويذكر رحمته وعفوه ومغفرته وجوده وكرمه فيحسن به الظن ويرجو كرمه وعفوه، والله الموفق سبحانه لا إله غيره ولا رب سواه.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِي-رَحِمَهُ الله -: مَنْ يَأْمَنِ البَلَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟ فَلَا يَأْمَنُ الوُقُوعَ فِي الشِّرْكِ إِلَّا مَنْ هُوَ جَاهِلٌ بِهِ، وَبِمَا يُخْلِصْهُ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: (َاخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: الرِّيَاءُ)

كَذَلِكَ الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ شِرْكِ الْمَحَبَّةِ، وَالَّذِي يَقَعُ فِيهِ بَعْضُ النَّاشِئَةِ، مِمَّنْ فُتِنُوا بِالتَّعَصُّبِ الرِّيَاضِيِّ حَتَّى قَدَّمُوا مَحْبُوبَ أَنْدَيَتِهِمْ عَلَى مَحْبُوبِ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلّ، فَهَذَا أَمْرٌ خَطِيرٌ.

كَذَلِكَ الْحَذَرُ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا فَفِي الْحَدِيثِ: (تَعِسَ عبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالقطيفَةِ وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعطَ لَمْ يَرْضَ) فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ، ﷺ، عَابِدًا للدُّنْيَا؛ لأَنَّهُ مَفْتُونٌ بِهَا.

الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِمنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

———— الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:—————

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أمَّا بَعْدُ...

عِبَادَ اللهِ: عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»

فكان الصَّحابةُ رَضِي اللهُ عنهم يَرقُبون رَسولَ اللهِ ﷺ في عِباداتِه ومُعاملاتِه وفي كلِّ حَياتِه، ومِن ذلك مُراقبتُهُم له في صِيامِه؛ الْفَرْضِ منه والتَّطوُّعِ؛ لِيَتعلَّموا منه.

وفي هذا الحَديثِ يقولُ أُسامةُ بنُ زيدٍ رَضِي اللهُ عنهما: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، لم أَركَ تَصومُ شَهرًا مِنَ الشُّهورِ ما تَصومُ مِن شعبانَ؟" أي: لا تُكثِرُ مِن صِيامِ التَّطوُّعِ في شَهرٍ مِن شُهورِ السَّنةِ بِمثلِ ما تُكثِرُ في صِيامِ شَعبانَ، فقال النَّبيُّ ﷺ لأسامة مُبيِّنًا له سَببَ صِيامِهِ: "ذلك شَهرٌ يَغفُلُ النَّاسُ عنه بَين رجبٍ ورَمضانَ"، أي: يَسْهو النَّاسُ عنه لِإكثارِهِمُ العِبادةَ في هَذَينِ الشَّهرينِ، "وهوَ شَهرٌ تُرفَعُ فيه الأعمالُ"، أي: أَعمالُ بَني آدمَ مِنَ الخيرِ والشَّرِّ والطَّاعةِ والمَعصيةِ، "إلى رَبِّ العالمينَ"؛ فلِذلك يَنبغي أن تكونَ الأعمالُ فيه صالِحةً، "فأُحِبُّ أن يُرفَعَ عَملي وأنا صائمٌ"؛ أي: لِأنَّ مِن أفضلِ الأعمالِ عِندَ اللهِ مِن عِبادِه الصَّومَ، أو أنَّ الأعمالَ الصالحَةَ إذا صاحَبَها الصَّومُ رَفَع مِن قَدرِها، وأثبَتَ خُلوصَها للهِ عزَّ وجلَّ.

قيل: إنَّ المُرادَ بِالأعمالِ الَّتي تُرفَعُ إليه في شَهرِ شَعبانَ هيَ أعمالُ السَّنةِ، وقد جاء في الصَّحيحَيْن مِن حَديثِ أبي موسى الأشعَريِّ رَضِي اللهُ عنه أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ "يُرفَعُ إليه عَملُ اللَّيلِ قبلَ عَملِ النَّهارِ، وعَملُ النَّهارِ قبلَ عَملِ اللَّيلِ"، وأنَّ أعمالَ الأُسبوعِ تُعرَضُ يومَ الإثنَيْن ويومَ الخميسِ، كما في رِوايةِ أبي داودَ والنَّسائيِّ أيضًا، وقيل: هذا يَحتمِلُ عَرْضَها في السَّنةِ جُملةً، ويَحتمِلُ عَرْضَها في الأيَّامِ أوِ الأُسبوعِ تَفصيلًا أوِ العَكسَ؛ فكأنَّ الأعمالَ تُعرَضُ عرضًا بَعد عَرْضٍ، ولِكلِّ عَرْضٍ حِكمةٌ يُطْلِعُ اللهُ تَعالَى عليها مَن يَشاءُ مِن خَلقِه، أو يَستأثِرُ بِها عندَه مع أنَّه تعالى لا يَخفى عليهِ مِن أعمالِهِم خافيةٌ.

وفي الحَديثِ: أنَّ شَهرَ شَعبانَ مِنَ الأَشهُرِ المُرغَّبِ فيها بالصَّومِ.

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.

اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. 

اللهم احفظ بلادنا من كيد الكائدين وعدوان المعتدين، اللهم انصرها على من يكيد لها في داخلها وخارجها، اللهم احفظ لبلادنا دينها وأمنها وعزتها وعقيدتها وسيادتها واقتصادها، اللهم أصلح أهلها وحكامها واجمع كلمتهم وألف بين قلوبهم واجعلهم يدا واحدة على من عاداهم يا قوي يا عزيز.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. 

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْـمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.









الخميس، 25 نوفمبر 2021

الدَّين وإنظار المعسر

 أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى ايها الناس اتقُوا الله حقَّ التّقوى واستمسكوا بالعروة الوثقى.

عبادَ الله، إنّ مِن خُلُق المؤمن وفاءَه بالعهودِ والتِزامَه بالعقود، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.

وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)، والدَّواوينُ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ، ومنها ديوانٌ لا يَتَجاوزُ اللهُ عنهُ وهو ديوانُ حُقوقِ العباد، وهاهُنا مسألةٌ حصلَ فيها تقصيرٌ وتساهلٌ بشأنها لمن ذاقَ طَعمَها، ألَا وهيَ مَسألةُ الدَّين.

فالناسُ اليومَ يتساهلونَ بالاستِدانةِ تَساهُلاً كبيراً، والاستِدانة لها عواقب خطيرة.

قال ﷺ: "نفسُ المؤمنِ مُعلَّقةٌ بدَينهِ حتَّى يُقضَى عنهُ"، وقال ﷺ: "إنْ قُتِلْتَ في سبيلِ اللهِ صابراً مُحْتَسِباً مُقبلاً غيرَ مُدبِرٍ كَفَّرَ اللهُ عنكَ خطاياك إلاّ الدَّين"

فيحرم على المسلم أن يجحد أو يماطل أو يتأخر في سداد مافي ذمته من الدَّين وهو قادر على سداده، فمن مات وعليه دين لن يغفر له دينه حتى لو كان شهيداً، قال ﷺ: (يغْفِرُ اللَّه للشَّهيدِ كُلَّ ذنب إلاَّ الدَّيْنَ)، والمماطلة في سداد الدين من الذنوب العظيمة التي نهى عنها الرسول ﷺ وهو داخل في ظلم الأموال وقد عدها بعض أهل العلم من كبائر الذنوب، ولذلك قال النبي ﷺ: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ). متفق عليه. 

وقد نص الفقهاء على أن المماطل فاسق ترد شهادته لظلمه وتهاونه بالحقوق. 

وهذا التصرف من المستدين يحل لصاحب المال أن يشتكيه عند الحاكم، ويحل للحاكم حبسه حتى يوفي دينه، لأنه ظلمه في ماله لقول الرسول ﷺ: (لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ). رواه أبوداود. 

وإذا لم يجد سبيلا عليه أبيح له أن يدعو عليه لأنه مظلوم والشرع جعل للمظلوم دعوة مستجابة كما قال النبي ﷺ: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ). متفق عليه.

والمماطل المذموم شرعاً والمستحق للتعزير في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو القادر على الوفاء، أما المعسر الذي لا يستطيع الوفاء فمعذور شرعا ولا يحل شكايته ويجب امهاله لأنه معذور، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

ومن كان عنده دين لأحد قد مات فإنه يسلمه لورثته، ولا يكتم ذلك ولا يتصدق به، بل يعطيه للورثة.

وإذا كان على الإنسان دين ولم يجد صاحب الدين، بأن: انتقل إلى مكان آخر أو سافر، ولم يدر عنه ولم يعرفه، فإنه بعد التحري وبعد بذل المستطاع في التعرف عليه أو على مكانه، فإذا عجز فإنه ينتظر المدة المناسبة لعله يأتيه، وإن لم يأت فإنه يتصدق بذلك على الفقراء والمساكين، أو يصرف ذلك في بعض المشاريع الخيرية، كتعمير المساجد وما أشبه ذلك، ويكون الأجر لصاحبه، ينويه عن صاحب المال، ثم إذا جاء صاحب المال فهو بالخيار، إن شاء قبل الصدقة وصارت له الصدقة، وإن شاء طلب حقه فتعطيه حقه ويكون الأجر لك فيما تصدقت به.

واعلموا ياعباد الله أنه يحرم تأخير مستحقات الاجراء كالعمال والموظفين يحرم تأخيرها عن وقت الاستحقاق، وهو تمام العمل، أو نهاية المدة المتفق عليها، فإذا كان الاتفاق على جعل الراتب شهريا، لزم دفعه للعامل في نهاية كل شهر، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ) وتأخير الحق عن وقته من غير عذر يعد مطلاً وظلما. 

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة (14/390): عن صاحب عمل لا يعطي العاملين لديه أجورهم إلا عند سفرهم لبلادهم، والعاملون يرضون بذلك لقلة حيلتهم وقلة فرص العمل ولحاجتهم للمال.

فأجابوا:"الواجب: أن صاحب العمل يعطي الأجير عنده راتبه بعد نهاية كل شهر، كما هو المتعارف عليه بين الناس اليوم، لكن إذا حصل اتفاق وتراض بينهما على أن يكون الراتب مجموعا بعد سنة أو سنتين فلا حرج في ذلك ؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (المسلمون على شروطهم)" انتهى.

ويجب على من يقوم بالعمل أن يلتَزِم ويقومَ بالواجب فإذا أخلّ العامل أو الأجير بشرط العمل أو انسحب أو هرب قبل تمام العمل المتفق عليه، فإنه لا يستحق الأجرة المتفق عليها (الراتب) إلا إذا أتم ما يطلب منه من الأعمال المتفق عليها في العقد.

وجاء في" فتاوى اللجنة الدائمة" ( 15 / 153): " الواجب على من وكل إليه عمل يتقاضى في مقابله راتبا أن يؤدي العمل على الوجه المطلوب، فإن أخل بذلك من غير عذر شرعي لم يحل له ما يتقاضاه من الراتب" انتهى.

فاتقوا الله -عباد الله- وراقبوه وردوا الحقوق إلى أهلها، واعلموا أن الله لم يجعل رزقكم فيما حرم عليكم: (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا)

اللهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمومين، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكْروبين واقْضِ الدَّينَ عنِ المَدينين.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اما بعد فيا عباد الله: قال ﷺ (مَن أنظَرَ مُعسِرًا، فله كلَّ يومٍ صَدقةٌ قبْلَ أنْ يَحِلَّ الدَّينُ، فإذا حَلَّ الدَّينُ، فأنْظَرَهُ بعدَ ذلك، فله كلَّ يَومٍ مِثْلَيه صَدقةً)

فتَذَكَّرْ أَيُّهَا الدَّائِنُ أَنَّكَ إِذَا اِحْتَسَبْتَ الأَجْرَ فِي إِقْرَاضِ أَخِيْكَ وَنَفَّسْتَ كَرْبَهُ؛ كَانَ لَكَ الأَجْرُ الذِيْ وَعَدَكَ بِهِ الحَبِيْبُ ﷺ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ".

ومَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا وَأَنْجَاهُ مِنْ لَهِيْبِ الحَاجَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُجَازِيْهِ بِأَنْ يُنْجِيْهِ مِنْ لَهِيْبِ الحَرِّ يَوْمَ القَيَاَمَةِ، فَيَكُونُ مِمَّنْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.

وَرَوَى الإَمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ غَرِيمِهِ أَوْ مَحَا عَنْهُ كَانَ فِي ظِلِّ العَرْشِ يَوْمَ القِيَامَةِ".

والتَنْفِيْسُ عَنِ المُعْسِرِيْنَ بِإِمْهَالِهِم يُفَرِّجُ كُرُبَاتِهِمْ وَهُمُومَهُم، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يُجَازِي المُقْرِضَ بِتَنْفِيسِ أَعْظَمِ الكُرُبَاتِ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ: آللَّهِ؟ قالَ: آللَّهِ؟ قَالَ: فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهِ اللَّهُ مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ".

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَيْطَانِ الرَّجِيْمِ: (وَإِنْ كَانَ ذُوْ عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

اللهُمَّ أغْنِنَا بِحَلالِكَ عن حَرَامِكَ، وبفَضْلِكَ عمَّنْ سِواك، اللهُمَّ أعْطِنَا ولَا تحْرِمْنَا، و زِدْنَا ولَا تُنْقِصْنَا، وكُنْ لنا ولا تَكُنْ علينا، واهدِنا ويَسِّرِ الهدى لنَا.

هذا وصلوا وسلموا -يا عباد الله- على من أمركم الله -تعالى- بالصلاة والسلام عليه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن جميع الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين

اللهُمَّ وفِّقَ ولاة أمرِنا وعلمائنا إلى ما فيه صلاحُ البلادِ والعبادِ، اللهُمَّ وَفِّقهم للصواب والسداد، اللهم وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة، اللهم واحفظهم من كلِّ سوءٍ ومكروه، اللهم وأعزَّ بهم الإسلام والمسلمين، اللهُمَّ وانصُرْ جُنودَنا المرابطين، ثبِّت أقدامَهُم، واجمَعْ كلمَتَهُم، ووحِّد صفُوفَهُم، واشفِ جَرْحَاهُم، وتقبَّلْ شُهدائَهُم، واخلُفهم في أهلهم بخيرٍ يا ربَّ العالمين.

عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.