‏إظهار الرسائل ذات التسميات العشر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العشر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 أغسطس 2018

خطبة جمعة: أيام عشر ذي الحجة

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا .
أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنَّا مَوْسِمٌ عَظِيمٌ وَأَيَّامٌ فَاضِلَةٌ، وَأَوْقَاتٌ مُبَارَكةٌ! مَنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ تَفَضَّلَ اللهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ جَدِيدَةٍ، وَمِنَّةٍ أَكْيدَةٍ، وَشُكْرُ النِّعَمِ يَكُونُ بِالْعَمَلِ الصَّالِح !
إِنَّهَا أَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ! إِنَّهَا الأَيَّامُ التِي هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ عَلَى الإِطْلاقِ، إِنَّهَا الأَيَّام ُالتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا لا يَكُونُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الأَوْقَاتِ ! وَالعملُ فيهَا عظيمٌ؛ ومحبة الله تعالى للعمل الصالح فيها تفوق محبته سبحانه للعمل الصالح في غيرها، قالَ ﷺ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلك بشيء" الْبُخَارِيُّ.
فَانْظُرْ – يَا رَعَاكَ اللهُ – مَعَ عِظَمِ الجِهَادِ عِنْدَ اللهِ؛ إلاَّ أنَّ عَمَلَ العَامِلِ فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفضلُ مِنْ جِهَادِ مُجَاهِدٍ فِي بقيةِ شُهُورِ العامِ، بِلْ والعملُ فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ أفضلُ مِنْ أنواعٍ متعددةٍ مِنَ الجِهَادِ، إلاَّ الجهادَ الذِي اِسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذلك بشيء".
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ؛ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ".
عبادالله: إن أيام عشر ذِي الْحِجَّةِ هي أفضل أيام العام ولياليها أفضل الليالي ماعدا ليلة القدر.
أقسم الله تعالى بها: وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، قال تعالى (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) . والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف، وقال ابن كثير في تفسيره: وهو الصحيح.
أيام عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ هي الأيام التي أكمل الله سبحانه وتعالى لنا فيها الدين، وبكمال الدين علا التوحيد؛ وارتفع شأن الإسلام؛ وظهر الحق؛ وانتصرت السنة، وانهزمت البدعة، وقد حسدنا اليهود على هذا الكمال؛ وقال حبر من أحبارهم لعمر رضي الله عنه: آيةٌ في كتابكم، لو نَزَلت علينا معشر اليهود اتخذنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا؛ (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِين)، قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وأيام عشر ذِي الْحِجَّةِ هي الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره: قال تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ)
فيستحب التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ، في أيام عشر ذِي الْحِجَّةِ، من ليلة الأول من ذِي الْحِجَّةِ حتى غروب شمس آخر الثامن من ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ يَنْبِغِي إِظْهَارُهَا وَإِشَاعَتُهَا، فَيُكَبَّرُ الرِّجَالُ رَافِعِينَ أَصْوَاتَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ وَالأَسْوَاقِ، وَتُكِبِّرَ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا وَتَخْفِضَ صَوْتَهَا!
ويستحب أيضا التكبير المقيد من فجر يوم عرفة حتى عصر آخر أيام التشريق ثالث أيام العيد، وسمي مقيداً لتقييده بعد الصلوات المفروضات فيبدأ به بعد الصلاة المكتوبة، ولا تشرع التلبية لغير الحاج.
وعَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّي أَنْ لا يأخذَ مِنْ شَعْرِهِ وَلا أَظْفَارِهِ وَلا بَشَرَتِهِ شَيْئَاً إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، من حين رؤية هلال ذِي الْحِجَّةِ أو غروب شمس آخر يوم من ذي القعدة حتى يذبح أضحيته، لقول النبي ﷺ: "مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعَرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ".
وهذا خاص بصاحب الأضحية أما أهل المضحي وأولاده فلا يلزمهم الإمساك عن ذلك وإنما يلزم المضحي فقط، وغالباً صاحب البيت هو المضحي.
أما من أراد أن يذبح عن غيره بوكالة أو وصية فلا يلزمه الإمساك عن شعره أو أَظْفَارِهِ أو بشرته.
ومن نسي فأخذ من شعره وأَظْفَارِهِ وهو مريد للأضحية فلا إثم عليه لأنه معذور ولا ينقص أجر أضحيته، وإذا تعمد الأخذ من شَعَرِهِ أو من أَظْفَارِهِ فأضحيته مجزئة لكنه يأثم بذلك.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنَ بَلَغَ الْعَشْرَ وَاغْتَنَمَهَا عَلَى الْوَجْهِ الذِي يُرْضِيكَ عَنَّا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
…………
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً .
أَمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاغْتَنِمُوا أَوْقَاتَكُمْ وَبَادِرُوا أَعْمَارَكُمْ , وَأَكْثِرُوا أَعْمَالَكُمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إن العمل الصالح فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أفضل من أي وقت في السنة ومِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْفَاضِلَةِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ: الصدقة والصلاة وتِلاوَةُ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ أَجْرَهَا عَظِيمٌ فِي كُلِّ الأَيَّامِ، فَكَيْفَ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ الْفَضِيلِ؟  فلو أن مسلماً تصدق بدينار في العشر الأواخر وتصدق بمثله في عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فالذي في عشر ذي الحجة أفضل.
وَمِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: الصَّيَامُ، فيستحب صيام تسع ذِي الْحِجَّةِ كلها وَلا سَيِّمَا يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ صِيَامَهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَة! قال ﷺ: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ" رواه مسلم.
وهذا من فضل الله علينا أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة والله ذو الفضل العظيم .
وَهُنَا يَسْأَلُ بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ الصَّيَامُ فِي الْعَشْرِ وَعَلَيْهِ قَضَاءٌ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ نَعَمْ يَجُوزُ، وَلَكِنْ الأَفْضَلُ وَالأَكْمَلُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَصُومُ فِي الْعَشْرِ بِنِيِّةِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ وَالصَّيَامُ فِي الْعَشْرِ نَافِلَةٌ فَلا تُقَدَّمُ النَّافِلَةُ وَتُؤَخَّرُ الْفَرِيضَةُ، فُصُمْ مَا عَلَيْكَ مِنْ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، وَلَعَلَّ اللهَ يَكْتُبُ لَكَ الأَجْرَيْنِ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيز !
ومن أفضل العبادات في هذه الأيام الدُّعاءُ، قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ "الدُّعاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"، وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾
فَعَلَي الْمُسْلِمِ أنْ يجتهِدَ فِي الدُّعَاءِ فِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَخَاصَّةً فِي يومِ عرفةَ، يقولُ الرسولُ ﷺ: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
وأُذَكِّرُ نفسِي وإيَّاكُم بالدُّعاءِ لإخوانِنَا المُستضعَفِينَ فِي كَلِّ مَكَانٍ، في هذهِ العشرِ أنْ يُنجِّيَهُمُ اللهُ، وأنْ يجعلَ لهمْ ممَّا هُمْ فِيه مَخْرجًا، وأنْ ينصرَهُمْ ويثبِّتَ أقْدَامَهُمْ .
اللهمَّ لا تحرمْنَا بذنوبِنَا فضلَ الأيامِ العشرِ، اللهُمَّ وفقْنَا فيهَا للعملِ الصالحِ .
هذا وَصَلُّوا عَلَى نَبِيِّكُمْ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ ﷺ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا" اللّهُمَّ صَلّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدَيْنَا واجْزِهِمْ عَنَّا خَيْرًا، اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا فَبَارِكْ فِي عُمُرِهِ وَعَمَلِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا فَارْحَمْهُ وَاعْفُ عَنْهُ.
اللَّهُمَّ انصر الإسلام والمسلمين اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ سَكِّنْ لَوْعَتَهُمْ وامْسَحْ عَبْرَتَهُمْ وَوَفِّرْ أَمْنَهُمْ وابْسِطْ رِزْقَهُمْ ووَحِّدْ صَفَّهُمْ واجْعَلْ مَا قَضَيتَ عَلَيْهِمْ زِيَادَةً في الإِيمَانِ واليَقِينِ وَلا تَجْعَلْهُ فِتْنَةً لَهُمْ عَنِ الدِّينِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ.
اللهمَّ وَفِّقْ ولي امرنا لِهُداكَ، واجْعَلْ عملَه في رِضاكَ. اللهُمَّ اجعلْ هذا البلدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخاءً رَخاءً وسائِرَ بلادِ المسلمينَ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ .

الثلاثاء، 29 مايو 2018

خطبة: العشر الأواخر وليلة القدر

اما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، واغتنام شهر التقوى بتحصيل أعلى درجاتها ونيل أسمى مراتبها فإنها خير زاد وأرجى ذخر، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، قال ﷺ: (من قامَ رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر لَه ما تقدَّم مِن ذَنبِه) متّفق عليه.
فشهر رمضان كله رَحْمَةٌ ومَغْفِرَةٌ، قال ﷺ: (إنَّ لله عتقاءَ في كلِّ يوم وليلة، لكلِّ عبد منهم دعوةٌ مستجابة)، أي: في رمضان، وهذا حديث صحيح.
فماهي إلا أيام وتدخل أيامٌ هي خَيرِ أيام رَمَضَانَ وَيَا للهِ كَم فيهَا مِن عَتِيقٍ مِنَ النِّيرَانِ! وَكَم فِيهَا مِن خَسَرَانَ! وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ، وَالمَخذُولُ مَن وُكِلَ إِلى نَفسِهِ فَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَشَيطَانَهُ.
أَلا وَإِنَّ ممَّا اعتَادَهُ بَعضُ النَّاسِ لِقِلَّةِ الفِقهِ وَسُوءِ الفَهمِ، أَن يَنشَطُوا في أَوَّلِ الشَّهرِ، وَمَا إِن تَأتي العَشرُ الأَوَاخِر المُبَارَكَةُ، عَشرُ الرَّحمَةِ والخَيرَاتِ وَالحَسَنَاتِ المُضَاعَفَاتِ، اعتَرَاهُمُ المَلَلُ، وَغَلَبَ عَليهِمُ الكَسَلُ، أَمَا عَلِمُوا أنَّها أفضل أيام رمضان.
ولهذا كان النبي ﷺ يعتكف ليلها ونهارها بل إنه رأى في منامه أنه يسجد في صبيحة ليلة القدر في ماء وطين فكانت ليلة إحدى وعشرين ومع ذلك أتم اعتكافه إلى آخر الشهر مع أن ليلة القدر قد مضت ؛ فدل على مشروعية الاجتهاد في العبادة ليلها ونهارها ، ودل على ذلك أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رواه مسلم.
وقَالَت: كَانَ إِذَا دَخَلَ العَشرُ شَدَّ مِئزَرَهُ وَأَحيَا لَيلَهُ وَأَيقَظَ أَهلَهُ.
فالرابح فيها من وفقه الله للطاعة وتقبل منه، والخاسر فيها من انشغل عنها وفاتته بركاتها. ، فمن كان يتصدق في بداية رمضان ويقرأ القرآن فالآن وقت الصدقات وقراءة القرآن والقيام فهي أفضل أيام رمضان،
ونبينا ﷺ قَد أَرشَدَ أُمَّتَهُ إِلى تَحَرِّي لَيلَة القَدرِ وَحثنا على التِمَاسِهَا وَطَلَبِ مُوَافَقَتِهَا، لأنها أفضل ليلة في العام كله، وهذه الليلة لَيْلَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي شَهْرِ رَمَضانَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالِي رَمَضانَ، لَكِنْ لاَ تَخْرُجُ عَنْ رَمَضانَ وَالغالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "تَحَرَّوا لَيلَةَ القَدرِ في الوِترِ مِنَ العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ"
أَلا فَلْنَجتَهِدْ في هَذِهِ العَشرِ طَلَبًا لِلَيلَةِ القَدرِ كَمَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَفعَلُ، وَلْنُضَاعِفِ العَمَلَ وَلْنَستَكثِرْ مِنَ الخَيرِ، وَلْنَتَقَرَّبْ إِلى الله وَلْنُكثِرْ مِنَ دُّعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيهِ،
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (إِنَّا أَنزَلنَاهُ في لَيلَةِ القَدرِ * وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ * لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ * تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطلَعِ الفَجرِ).
وفقنا الله جميعا لاغتنام هذه الليالي المباركة، وجعلنا الله ممن وُفقوا لقيامها، وممن فازوا فيها بالأجر العظيم.
اللهم وفقنا للجد والاجتهاد في هذه العشر؛ وارزقنا الإخلاص والقبول، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا. اللهم اجعلنا في هذه العشر من الفائزين.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا صالح أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا.
----------
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.
أما بعد فاتقوا الله ياعباد الله واعلموا أنّ أعظم مايقصد من العبادات في ليالي العشر هو قيام الليل لقوله ﷺ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).
ولايمكن الجزم بقيام ليلة القدر إلا بقيام العشر كلها.
وكلما كان زمن صلاة القيام أطول كان أعظم ثوابًا وأجرا ، ولهذا فالمسلمون في هذه العشر يقومون أول الليل وآخره ، ومن استطاع أن يصلي بعد انصرافه من قيام أول الليل فليفعل وله أن يجلس على كرسي وأن يقرأ من المصحف إذا لم يكن حافظاً.
ولهذا لو سَئل سائلٌ ماهي أفضل عبادة يفعلها المسلم بين قيام أول الليل وآخره في هذه العشر
فالجواب: هي الصلاة؛ فيصلي ويقرأ من القرآن ويسأل عند آيات الرحمة ويستعيذ عند آيات الوعيد والعذاب فيكون جمع بين الصلاة وقراءة القرآن والدعاء.
وينبغي أن يكثر من الدعاء الذي علمه النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها حين قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِن وَافَقتُ لَيلَةَ القَدرِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ ﷺ: " قُولي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي ".
فَمَنْ أَرَادَ إِحْياءَ لَيْلَةِ القَدْرِ فَلْيَتَهَيَّأْ بِالطَّاعَةِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعالى، يُحْيِيها بِذِكْرِ اللهِ، يُحْيِيهَا بِالاِسْتِغْفارِ، يُحْيِيهَا بِصَلاةِ التَّطَوُّعِ، يُحْيِيها بِتِلاوَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، يُحْيِيهَا بالدعاء.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على إمام الصائمين وقدوة القائمين، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقال ﷺ: (مَن صلى علي واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في كل مكان
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين
اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وجميع بلاد المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين،
اللهم أصلح ولي أمرنا وجميع ولاة المسلمين اللهم واحفظهم بحفظك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم في رضاك وأعز بهم الإسلام وأهله.
اللهم انصر جنودنا واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل شر.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ