‏إظهار الرسائل ذات التسميات رمضان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رمضان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 5 يونيو 2018

زكاة الفطر وأحكام العيد

أَمَا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
عباد الله:ها هو شهركم قد تصرّم، وصدق الله لما قال: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ. يعني: سرعان ما تنقضي، فها قد ذهب أكثر الشهر، فسبحان مكور الليل على النهار، ومكور النهار على الليل. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ
وإن من رحمة الله أن شرع عبادات جليلة في آخر الشهر يزداد بها الإيمان و يجبر بها ماحصل في الصيام من خلل أو نقصان، فمنها زكاة الفطر فهي فريضة على كل مسلم.
قال ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. متفق عليه.
وَيُؤدِّي الرَّجُلُ الزَّكَاةَ عَنهُ وَعَمَّن تَكفَّلَ بِنَفَقَتِهِ وَلَابُدَّ لَهُ مِن أنْ يُنفِقَ عَلَيهِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الفِطرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالعَبدِ مِمَّن تَمُونُونَ.
فهذا الحديث يدل على أن زكاة الفطر فريضة على كل مسلم، ولو كان مجنونًا لاعقل له أو صغيراً لم يبلغ فإنها تجب الزكاة عنهم ويخرجها وليهم، وَلَا يَجبُ فِي جَنِينِ الحَامِلِ؛ لأنَّهُ لَيسَ مِن أهْلِ رَمَضَانَ حَقِيقَةً، بل تستحب لفعل عثمان رضي الله عنه إلا إذا وُلد قبل العيد فتجب عليه زكاة الفطر.
ولا تجب زكاة الفطر إلا على المسلم أما الكافر فليس من أهل الزكاة حتى يسلم، فالمسلم إذا كان عنده عامل أو خادمة أو ولد كافر لا يزكي عنه؛ لأنه خبيث بالكفر لا تطهره الزكاة، فلا زكاة إلا على المسلم.
وإذا كان العامل أو الخادمة مسلم فلا يزكى عنه إلا إذا شرط عليه العامل أن تكون زكاة الفطر على الكفيل، ويجوز للكفيل أن يتبرع عن مكفوله بزكاة الفطر ويجب أن يخبره بذلك.
ولا يجزئ دفع زكاة الفطر إلا للفقراء خاصة، والواجب أن تصل إلى الفقير، أو وكيله في وقتها، ويجوز للفقير أن يوكّل شخصًا في قبض ما يُدفع إليه من زكاة، فإذا وصلت الزكاة إلى يد الوكيل، فكأنها وصلت إلى يد موكله، فإذا كنت تحب أن تدفع فطرتك لشخص، وأنت تخشى أن لا تراه وقت إخراجها، فمره أن يوكل أحدًا يقبضها منك، أو يوكلك أنت في القبض له من نفسك، فإذا جاء وقت دفعها، فخذها له بكيس أو غيره، وابقها أمانة عندك حتى يأتي.
ومن يأخذ زكاة الفطر يُخرج زكاة فِطره مما يأتيه من الناس، إلا أن يكون لا يوجد عنده مايكفي.
وأفاد الحديثُ مقدار زكاة الفطر عن الشخص الواحد، أنها محدودة بصاع، لم يرهق الشرع الناس، ما فرض عليهم أكثر من صاع عن كل شخص، وهذا الصاع وحدة حجمية، يختلف وزنه بحسب ما يوضع فيه، فوزن صاع التمر يختلف عن وزن صاع القمح، يختلف عن وزن صاع الأرز، وهكذا وإن كان هناك تقارب، فهي لا تتجاوز ثلاثة كيلو غرامات من الطعام الموضوع في الصاع.
وأما وقتها فالأفضل أن تُخرج يوم العيد قبل صلاة العيد فقد قال ابن عمر رضي الله عنهما في الحديث السابق: وَأَمَرَ بِهَا - يعني الرسول ﷺ - أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.
ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين فللمسلم أن يخرجها يوم التاسع والعشرين أو الثامن والعشرين.
ويحرم تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد لقول ابنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعمَةً لِلمَسَاكِينِ، مَنْ أدَّاهَا قَبلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقبُولَةٌ، وَمَن أدَّاهَا بَعدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ. وزكاة الفطر كما في الحديث تجبر ما يكون في الصوم من نقص وخلل.
وزكاة الفطر، تطهر الصائم مما وقع في صومه من النقص وتكمله، قال بعض السلف: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة تجبر نقصان الصيام كما يجبر سجود السهود نقصان الصلاة .ا.هـ
عباد الله زكاة الفطر عبادة من العبادات يجب أن نلتزم فيها بما ورد عن النبي ﷺ من إخراجها صاعاً من الطعام كالتمر والأرز والطحين، وذهب جمهور العلماء (منهم مالك والشافعي وأحمد) إلى أنه لا يجوز دفع زكاة الفطر قيمة ، بل الواجب أن تخرج طعاما كما فرضها رسول الله ﷺ.
فلا يجوز أن تدفع زكاة الفطر نقوداً بأي حال من الأحوال ، بل تدفع طعاماً ، والفقير إذا شاء باع هذا الطعام وانتفع بثمنه ، أما المزكي فلابد أن يدفعها من الطعام ، ولا فرق بين أن يكون من الأصناف التي كانت على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من طعام وجد حديثاً ، فالأرز في وقتنا الحاضر قد يكون أنفع من البر.
وزكاة الفطر تدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين، فإن كان في بلد ليس فيه من يدفع إليه أو كان لا يعرف المستحقين فيه، وكّل من يدفعها عنه في مكان فيه مستحق. وبناء على ذلك فمن أقام في بلده أكثر رمضان، ثم سافر إلى بلد آخر في أواخر رمضان فالأولى له أن يدفع زكاة الفطر في البلد الذي سافر إليه لأنه البلد الذي غرب عليه فيه شمس آخر يوم من رمضان،
وإذا كان أهل البيت يخرجونها عن أنفسهم فإنه لا يلزم الرجل الذي تغرب عن أهله أن يخرجها عنهم ، لكن يخرج عن نفسه فقط في مكان غربته إن كان فيه مستحق للصدقة من المسلمين ، وإن لم يكن فيه مستحق للصدقة وكّل أهله في إخراجها عنه ببلده.
ويجوز نقل زكاة الفطر إلى فقراء بلد أخرى أهلها أشد حاجة.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
أما بعد فاتقوا الله ياعباد الله وتزودا بالعمل الصالح فيما بقي من هذا الشهر المبارك ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ
عباد الله: قال تعالى في آيات الصيام من سورة البقرة ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُم﴾ أي: ولتذكروا الله بالتكبير عند انقضاء عبادة الصيام.
فيُسنُ الجهر بتالكبير والتهليل للرجال في المساجد والأسواق والبيوت، إعلانًا لتعظيم الله، وإظهارًا لعبادته وشكره.
ويكون هذا بغروب شمس آخر يوم من رمضان، في المساجد والبيوت والأسواق ، ويتأكد هذا التكبير والجهر به عند الخروج إلى صلاة العيد فيكبر الناس ليلة العيد إلى دخول الإمام لصلاة العيد ويكبرون أيضاً بتكبير الإمام أثناء خطبة العيد.
ومن صيغ التكبير: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ ، اللهُ أَكبَرُ وَللهِ الحَمدُ .
ويتأكد التكبير جهراً من حين الخروج من البيت لصلاة العيد ويكبر في المصلى حتى دخول الإمام ، ثم يكبر إذا كبر الإمام في الخطبة وينصت فيما سوى ذلك.
وتُصلى تحيةُ المسجد إذا كانت الصلاة في الجوامع.
وصلاة العيد ركعتان يكبر في الأولى ستاً بعد تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمساً بعد تكبيرة القيام . فإذا فاتت المصلي ركعة فيقضيها على صفتها وعلى هذا فيكبر في الركعة الثانية التي يقضيها خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام، ولو قضاها من غير هذه التكبيرات صحت.
وإذا دخل مع الإمام في أثناء التكبيرات الزوائد فيكبر للإحرام أولاً ثم يتابع الإمام فيما بقي ويسقط عنه مامضى.
وإن أدرك الإمام وهو يقرأ أو راكعا فيكبر تكبيرة الإحرام ، ويدخل معه في صلاته ولايكبر التكبيرات الزوائد.
وإذا وجد الإمام قد سلم من صلاة العيد فيستحب له أن يستمع لخطبة العيد ويؤمن على الدعاء.
وإذا بدأ الإمام في القراءة ونسي التكبيرات الزوائد سقطت لأنها سنة فات محلها.
وَصَلاةِ الْعِيدِ: وَاجِبَةٌ وُجُوبَاً عَيْنِيَّاً عَلَى الرِّجَالِ، وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، فَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: "أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيّضَ فِي الْعِيدَيْنِ، يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيّضُ اَلْمُصَلَّى" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخَانِ ابْنُ بَازٍ وَابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُمَا اللهُ- بِوُجُوبِهَا عَلَى الرِّجَالِ، وَعَلَى هَذَا فَلْيَحْذَرْ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ صَلاةِ الْعِيدِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ النِّسَاءُ، بَلْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ البنات الصغار، بَلْ وَالْحُيّضُ، مَأْمُورَاتٍ بِالْخُرُوجِ! فَكَيْفَ بِالرِّجَالِ الأَشِدِّاءِ؟! فَلا يَحِلُّ لَهُمُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ.
والسنة أن يأكل قبل الخروج إلى المصلى تمراتٍ وتْرًا، ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر إن أحب ويقطعهن على وتر؛ لفعل النبي ﷺ.
واخرجوا إلى هذه الصلاة مشيًا إلا من عذرٍ كعجز أو بُعد؛ لقول علي رضي الله عنه: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا.
اخرجوا إلى صلاة العيد متنظفين متطيبين، والبسوا أحسن الثياب، وأخرجوا لها نساءكم وأطفالكم ومَن تحت أيديكم.
وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ وَلَا مُتَزَيِّنَةٍ، وَعَلَى وَلِيِّ أَمْرِهَا مَسْؤُولِيّةٌ فِي ذَلِكَ.
وأدوها بخشوع وحضور قلب، وتذكروا بجمعكم اجتماع الناس في يوم الجمع الأكبر: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
والتجمل للعيد عبادة فلا يتجمل بفعل الحرام كحلق اللحية أو لبس الطويل أو لبس القصير للبنات .
اخرجوا إلى صلاة العيد أيها الإخوة: امتثالاً وطاعة لأمر رسول الله ﷺ وابتغاء الخير، ودعوة المسلمين، فكم في ذلك المصلى من خيرات تنزل، وجوائز من الرب الكريم تحصل، ودعوات طيبات تقبل.
بلَّغَنا الله يوم العيد من عمر مديد بطاعة الله، ومنَّ علينا بالقبول، إنه جواد كريم.
ونسأل الله أن يختم لنا ولكم بعمل صالح وأن يتقبل صيامنا وقيامنا ويتجاوز عن تقصيرنا وزللنا ،
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وتجاوز عن تقصيرنا و زللنا، اللهم بلغنا ختام الشهر وأعده علينا بخير في ديننا ودنيانا يارب العالمين اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا يارب العالمين
اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في فلسطين اللهم عليك باليهود الظالمين المعتدين
اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في كل مكان اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين
اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وجميع بلاد المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا واستعمل علينا خيارنا
واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك يارب العالمين .
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ

الثلاثاء، 29 مايو 2018

خطبة: العشر الأواخر وليلة القدر

اما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، واغتنام شهر التقوى بتحصيل أعلى درجاتها ونيل أسمى مراتبها فإنها خير زاد وأرجى ذخر، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، قال ﷺ: (من قامَ رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر لَه ما تقدَّم مِن ذَنبِه) متّفق عليه.
فشهر رمضان كله رَحْمَةٌ ومَغْفِرَةٌ، قال ﷺ: (إنَّ لله عتقاءَ في كلِّ يوم وليلة، لكلِّ عبد منهم دعوةٌ مستجابة)، أي: في رمضان، وهذا حديث صحيح.
فماهي إلا أيام وتدخل أيامٌ هي خَيرِ أيام رَمَضَانَ وَيَا للهِ كَم فيهَا مِن عَتِيقٍ مِنَ النِّيرَانِ! وَكَم فِيهَا مِن خَسَرَانَ! وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ وَأَعَانَهُ، وَالمَخذُولُ مَن وُكِلَ إِلى نَفسِهِ فَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَشَيطَانَهُ.
أَلا وَإِنَّ ممَّا اعتَادَهُ بَعضُ النَّاسِ لِقِلَّةِ الفِقهِ وَسُوءِ الفَهمِ، أَن يَنشَطُوا في أَوَّلِ الشَّهرِ، وَمَا إِن تَأتي العَشرُ الأَوَاخِر المُبَارَكَةُ، عَشرُ الرَّحمَةِ والخَيرَاتِ وَالحَسَنَاتِ المُضَاعَفَاتِ، اعتَرَاهُمُ المَلَلُ، وَغَلَبَ عَليهِمُ الكَسَلُ، أَمَا عَلِمُوا أنَّها أفضل أيام رمضان.
ولهذا كان النبي ﷺ يعتكف ليلها ونهارها بل إنه رأى في منامه أنه يسجد في صبيحة ليلة القدر في ماء وطين فكانت ليلة إحدى وعشرين ومع ذلك أتم اعتكافه إلى آخر الشهر مع أن ليلة القدر قد مضت ؛ فدل على مشروعية الاجتهاد في العبادة ليلها ونهارها ، ودل على ذلك أيضًا حديث عائشة رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رواه مسلم.
وقَالَت: كَانَ إِذَا دَخَلَ العَشرُ شَدَّ مِئزَرَهُ وَأَحيَا لَيلَهُ وَأَيقَظَ أَهلَهُ.
فالرابح فيها من وفقه الله للطاعة وتقبل منه، والخاسر فيها من انشغل عنها وفاتته بركاتها. ، فمن كان يتصدق في بداية رمضان ويقرأ القرآن فالآن وقت الصدقات وقراءة القرآن والقيام فهي أفضل أيام رمضان،
ونبينا ﷺ قَد أَرشَدَ أُمَّتَهُ إِلى تَحَرِّي لَيلَة القَدرِ وَحثنا على التِمَاسِهَا وَطَلَبِ مُوَافَقَتِهَا، لأنها أفضل ليلة في العام كله، وهذه الليلة لَيْلَةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي شَهْرِ رَمَضانَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالعِشْرِينَ مِنْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالِي رَمَضانَ، لَكِنْ لاَ تَخْرُجُ عَنْ رَمَضانَ وَالغالِبُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "تَحَرَّوا لَيلَةَ القَدرِ في الوِترِ مِنَ العَشرِ الأَوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ"
أَلا فَلْنَجتَهِدْ في هَذِهِ العَشرِ طَلَبًا لِلَيلَةِ القَدرِ كَمَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَفعَلُ، وَلْنُضَاعِفِ العَمَلَ وَلْنَستَكثِرْ مِنَ الخَيرِ، وَلْنَتَقَرَّبْ إِلى الله وَلْنُكثِرْ مِنَ دُّعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيهِ،
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (إِنَّا أَنزَلنَاهُ في لَيلَةِ القَدرِ * وَمَا أَدرَاكَ مَا لَيلَةُ القَدرِ * لَيلَةُ القَدرِ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ * تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذنِ رَبِّهِم مِن كُلِّ أَمرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطلَعِ الفَجرِ).
وفقنا الله جميعا لاغتنام هذه الليالي المباركة، وجعلنا الله ممن وُفقوا لقيامها، وممن فازوا فيها بالأجر العظيم.
اللهم وفقنا للجد والاجتهاد في هذه العشر؛ وارزقنا الإخلاص والقبول، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا. اللهم اجعلنا في هذه العشر من الفائزين.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا صالح أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا.
----------
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.
أما بعد فاتقوا الله ياعباد الله واعلموا أنّ أعظم مايقصد من العبادات في ليالي العشر هو قيام الليل لقوله ﷺ: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).
ولايمكن الجزم بقيام ليلة القدر إلا بقيام العشر كلها.
وكلما كان زمن صلاة القيام أطول كان أعظم ثوابًا وأجرا ، ولهذا فالمسلمون في هذه العشر يقومون أول الليل وآخره ، ومن استطاع أن يصلي بعد انصرافه من قيام أول الليل فليفعل وله أن يجلس على كرسي وأن يقرأ من المصحف إذا لم يكن حافظاً.
ولهذا لو سَئل سائلٌ ماهي أفضل عبادة يفعلها المسلم بين قيام أول الليل وآخره في هذه العشر
فالجواب: هي الصلاة؛ فيصلي ويقرأ من القرآن ويسأل عند آيات الرحمة ويستعيذ عند آيات الوعيد والعذاب فيكون جمع بين الصلاة وقراءة القرآن والدعاء.
وينبغي أن يكثر من الدعاء الذي علمه النبي ﷺ عائشة رضي الله عنها حين قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِن وَافَقتُ لَيلَةَ القَدرِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ ﷺ: " قُولي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي ".
فَمَنْ أَرَادَ إِحْياءَ لَيْلَةِ القَدْرِ فَلْيَتَهَيَّأْ بِالطَّاعَةِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ تَعالى، يُحْيِيها بِذِكْرِ اللهِ، يُحْيِيهَا بِالاِسْتِغْفارِ، يُحْيِيهَا بِصَلاةِ التَّطَوُّعِ، يُحْيِيها بِتِلاوَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ، يُحْيِيهَا بالدعاء.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على إمام الصائمين وقدوة القائمين، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقال ﷺ: (مَن صلى علي واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا)
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أنصر إخواننا المستضعفين في كل مكان
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين
اللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا وجميع بلاد المسلمين اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين،
اللهم أصلح ولي أمرنا وجميع ولاة المسلمين اللهم واحفظهم بحفظك وأيدهم بتأييدك واجعل عملهم في رضاك وأعز بهم الإسلام وأهله.
اللهم انصر جنودنا واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل شر.
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ




الثلاثاء، 22 مايو 2018

خطبة: مسائل في الصيام

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
أمَّا بعدُ: فيا عبادَ اللهِ أوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العليّ العظيمِ، يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعَالى في مُحْكَمِ التَّنْزيلِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
إخوةَ الإيمانِ إنَّ شهرِ رمضانَ فُرِضَ في السّنة الثّانية للهجرة، وصِيامَه عبادةٌ عظيمةٌ، خَصَّها اللهُ بخصائِصَ، منها ما ورَدَ في الحديثِ القدسيّ الذي أخرَجَهُ البُخاريُّ: قالَ اللهُ تعالى: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي).
واعلموا أنه مَنْ أفطَرَ في نهار رمضانَ لغيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيّ فعليْهِ التوبة وقضاءُ الأيَّامِ التي أفطَرَ فِيها وقد أرتكب كبائر الذنوب.
ويشترط للحكم بفطر من وقع في المفطر ثلاثة شروط: أن يكون عالمًا ذاكراً مختاراً.
● ومفطرات الصيام هي:
الأكل والشرب عمداً ومافي حكمها مثل الإِبَرُ التي تَحْمِلُ مُغَذِّيَاتٍ؛ فَإِنَّهَا مُفَطِّرَةٌ؛ لَأَنَّ الْمُغَذِّي يَحْتَوِي عَلَى الْمَاءِ وَالْجُلُوكُوزِ. وَالْخُلاصَةُ أَنَّ الإِبَرَ؛ إِنَّ كَانَتْ عِلاَجِيَّةً؛ فَلَا تُفَطِّرُ، وَإِنْ كَانَتْ مُغَذِّيَةً؛ فَهِيَ تُفَطِّرُ.
فيجبُ الإمساكُ عنِ المفطراتِ عنِ الأكلِ والشُّربِ وعنْ إدخالِ كلِّ ما لَهُ حجْمٌ ولَوْ صغيرًا مِنْ مَنْفَذٍ مفتوحٍ كالفَمِ والأنْفِ (ولَوْ كانَ ذلكَ أجزاءً صغيرةً كدُخانِ السيجارةِ والشيشة ودُخانِ البخور) أو في القُبُلِ والدُّبُرِ، أما التَّحَامِيلُ الطِّبِيَّةُ (اللُّبُوس): حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا بَعْضُ الْمَرْضَى لِخَفْضِ الْحَرارَةِ، أَوْ عِلاَجِ بَعْضِ الْاِلْتِهَابَاتِ عَنْ طَرِيقِ فَتْحَةٍ الشَّرَجِ؛ فَهَذِهِ لَا تُعَدُّ مُفَطِّرَةً؛ لِعَدَمِ تَقَوِّي الْجَسَدِ بِهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطَعَامٍ، وَلَا بِشَرَابٍ، وَلَا بِمَعْنَاهُمَا.
وإن أمكن الصائم أن يؤخرها إلى ما بعد الإفطار: فهو أولى وأحوط لصومه، وأبرأ لذمته، لأن من أهل العلم من يرى بطلان صومه بذلك.
ومِنَ المفطراتِ الاسْتِمْناءُ وهوَ إِخراجُ المنِيّ بِنَحوِ اليَدِ، وكذلك الاستِقَاءَةُ وهي إخراج القيْء عمدا كإدخالِ إصبَعِهِ في فَمِهِ، أما إن خرج القيء بدون تعمد فلا يفسد الصوم.
ومِنَ المفطّراتِ الجِماعُ في نَهارِ رمضانَ سواء كان بإنزال أو بدونه وسواء كان الجماع للزوجة أو بالزنا أو بفعل قوم لوط.
فَمَنْ فعلَ ذلكَ معَ العِلْمِ والتَّعَمُّدِ والاخْتِيارِ أَفْطَرَ، أي إذا كان عالِمًا بالحكمِ وغيرَ نَاسٍ وغيرَ مُكْرَهٍ أَفْطَرَ، ويجب عليه وعلى زوجته إذا كانت غير مكرهه يجب على كل واحد منهم مع القضاء كفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فليطعم ستين مسكيناً، ولا يجوز له أن يطعم ستين مسكيناً إلا إذا عجز عن صيام شهرين متتابعين.
ويجوز للرجل أن يجامع زوجته في ليالي رمضان، قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُم
ومن المفطرات الحجامة لما ورد في الحديث: (أفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) فيقاس عليها ما كان في معناها، كالتبرع بالدم أو تحليل الدم إذا كان كثيراً، أما إذا كان الدم المستخرج للتحليل يسيراً، كالدم المستخرج لقياس السكر في الدم فهذا لا يفسد الصيام؛ لأنه دم يسير.
غَسْلُ الْكُلَى: إِنْ كَانَ عَنْ طَرِيقِ الأَجْهِزَةِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُفَطِّرٌ؛ لِوُجُودِ مُغَذّيَاتٍ تُصَاحِبُ الْغَسْلَ؛ كَسُكَّرِ الْجُلُوكُوزِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَسْلُ بِالْغِشَاءِ البرُوتِينِيِّ؛ فَإِنْ كَانَ يُصَاحِبُهُ مُغَذّيَاتٌ- وَهُوَ الْغَالِبُ فِيهِ- فَهُوَ مُفَطِّرٌ.
وخروج دم الحيض والنفاس يفطر حتى لو كان قبل أذان المغرب بدقائق.
● أما الأمور التي لا تفطر فهي:
خروج الدم من أي مكان من الإنسان بغير اختياره وإذا كان من الفم وجب لفظه ولا شيء عليه.
وكذلك اِسْتِخْدَامُ الْبَخَّاخَاتِ، وَغَازِ الأُكْسُجِينَ؛ لِعِلَاجِ مَرْضَى ضِيقِ التَّنَفُّسِ وَالرَّبْوِ، إِمَّا عَنْ طَرِيقِ الْفَمِ، أَوْ الأَنْفِ؛ فَالصَّحِيحُ – وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنَ الْمُفْطِّرَاتِ؛ لَأَنَّ هَذِهِ الْعِلَاجَاتِ تَتَّجِهُ إِلَى الجِهَازِ التَّنَفُّسِيِّ، لَا إِلَى الْمَعِدَةِ.
أما البُخار الذي يحول الماء إلى بخار ورذاذ ناعم فإنه يفطر.
أمَا الْحُقَنِ الطِّبِيَّةِ: فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الِإبَرُ تَحْتَوِي عَلَى عِلاَجَاتٍ؛ كَمُضَادَّاتٍ حَيَوِيَّةٍ أَوْ مسكنة للألم أو ِإبَرُ الْبِنْجِ وغَيْرِهَا؛ فَلَا تُعَدُّ مُفَطِّرَةً؛ سَواءَ اِسْتُعْمِلَتْ عَنْ طَرِيقِ الْعَضَلِ، أَوْ الْوَرِيدِ، أَوْ الإِبَرِ الشَّرَجِيَّةِ، أَوْ تَحْتَ الْجِلْدِ؛ كَإِبَرِ مَرْضَى السُّكَّرِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطَعَامٍ، وَلَا بِشَرَابٍ، وَلَا بِمَعْنَاهُمَا؛ فَيَجُوزُ للصائم – مَتَى اِحْتَاجَ إِلَيهَا- اِسْتِخْدَامُهَا.
كَذَلِكَ يَجُوزُ للصائم اِسْتِخْدَامُ الْحُبُوبِ الَّتِي تُوضَعُ تَحْتَ اللِّسَانِ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهَا بَعْضُ الْمَرْضَى لِوقَايَتِهِمْ مِنَ الْأَزَمَاتِ الْقَلْبِيَّةِ حَيْثُ تَذُوبُ وَتَنْتَقِلُ عَنْ طَرِيقِ الدَّمِ؛ لِعِلَاجِ الْأَزْمَةِ الْقَلْبِيَّةِ، أَوْ الْوقَايَةِ مِنْهَا، وَلَا تَمُرُّ بِالْمَعِدَةِ؛ فَهَذِهِ لَا تُعَدُّ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ.
وخلع السن لا يفطر.
والسواك سنّة للصائم في جميع النهار وإن كان رطبا، وإذا استاك وهو صائم فوجد حرارة أو غيرها من طَعْمِه فبلعه أو أخرجه من فمه وعليه ريق ثم أعاده وبلعه فلا يضره، ويجتنب ما له مادة تتحلل كالسواك الأخضر، وما أضيف إليه طعم خارج عنه، ويُخرج ما تفتت منه داخل الفم، ولا يجوز تعمد ابتلاعه فإن ابتلعه بغير قصده فلا شيء عليه. وبلع الريق، وتذوق الطعام ومعجون الأسنان، لا يفطر بشرط ألا يُبتلع منه شيء.
وقَطَرَاتُ الْعَيْنِ وَالأُذُنِ والأَنْفِ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهَا غَيْرُ مُفَطِّرَةٍ؛ لِعَدَمِ وُصُولِهَا إِلَى جَوْفِ الإِنسَانِ.
كَذَلِكَ يَجُوزُ للصائم اِسْتِخْدَامُ اللَّصَقَاتِ الطِّبِيَّةِ عَلَى أَجْزَاءِ جَسَدِهِ؛ وَهُوَ صَائِمٌ.
وحلق الشعر وقص الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة، كل ذلك لا لا يؤثر على الصيام.
--------------------------------------------------------------
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد: فيا عباد الله قال الله تعالى:﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فالله عز وجل بدأ من المعذورين بالمريض، وأهل الأعذار في الفطر نوعان: من له عذر يرجى زواله وهم:
المريض المرجو برؤه "الذي له علاج" والحائض والنفساء فهؤلاء يفطرون ويقضون، والحامل والمرضع اللتان تخافان على ولديهما أو نفسيهما من الصيام فهؤلاء أيضا يفطرون ويقضون.
النوع الثاني من له عذر لايُرجى زواله "ليس له علاج" وهم:
من عجز عن الصوم لكبر سنه بحيث أصبح ضعيفاً لا يستطيع الصيام أو لمرض لايرجى برؤه، فهؤلاء يسقط عنهم الصيام ويطعمون مسكينًا عن كل يوم نصف صاع من أرز أو غيره وقدره كيلو ونصف.
لكن لا يترك الصيام لمجرد أنه كبير في السن أو عنده بعض الألم الذي لا يمنعه من الصيام، هذا يجب عليه الصيام.
أما فاقد العقل فليس عليه صيام ولا إطعام مثل الكبير المهذري لا يصوم ولا يُطعم عنه.
ويجوز للمسافر أن يفطر (ولو كان سفره دائماً كأصحاب التريلات وسيارات الأجرة) وعليه أن يقضي.
ويجوز للمسافر أن يفطر سواء شق عليه السفر أم لا، والأفضل أن يصوم إذا لم يكن فيه مشقة.
وإذا تضرر المسافر أو المريض بالصيام يحرم عليهما الصيام.
واعلموا أنه يجب تبييت النية لصيام رمضان كل يوم والنّيَّةُ محلُّهَا القَلْبُ يعني لا يُشْتَرَطُ النُّطْقُ بها باللّسانِ، ويَجِبُ تبييتُها أي إيقاعها ليلاً قَبْلَ الفَجْرِ لكُلّ يومٍ لقوله ﷺ (مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلا صِيَامَ لَهُ). يعني لِمُجرَّدِ أنَّك تَيَقَّنْتَ منْ دخولِ المغرِبِ فَنَوَيْتَ صيامَ اليومِ الثاني صَحَّتْ هَذِهِ النّيَّةُ، ثمَّ تَعَاطي المفَطّراتِ بعدَ المغربِ وقَبْلَ طلوعِ الفَجْرِ مِنْ أَكْلٍ وشُرْبٍ وجِماعٍ وغيْرِ ذلكَ لا يُؤَثِّرُ على هذهِ النّيَةِ.
اللهم أعنّا في رَمْضَانَ على الطّاعةِ والإحسانِ، ووفِّقنا فيه لحُسنِ الصِّيامِ والقِيامِ، وارزقنا فيه توبةً نصوحاً تغسِلُنا بها من جميعِ الذُّنوبِ والآثامِ. اللهم أعنا على صيامه وقيامه وإتمامه، ووفقنا للقيام بحقك فيه وفي غيره.
إخوة الإيمان اعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللّهُمَّ صَلّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ.
اللهُمَّ اغفرِ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا آتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وآمِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء.
عبادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ، واشكُروهُ يزِدْكُمْ واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا. وَأَقِمِ الصلاةَ.

الأربعاء، 9 مايو 2018

استقبال رمضان

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
أَمّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القائِلِ في مُحْكَمِ كِتابِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون: هَا هُوَ الشَّهْرُ الْعَظِيمُ يُقْبِلُ عَلَيْنَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُـخْبِـرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ بِقَوْلِهِ: (قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ)، رَوَاهُ أَحْـمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
عباد الله: إن من الناس من بينه وبين أخيه أو قريبه خلاف لا يكلمه ولا يسلم عليه فيدخل رمضان ويخرج وهو على هجره وقطيعته، فماذا استفاد من رمضان؟ وهذا في خطر لأن أعماله لا ترفع لله، لا تفطيره للصائمين ولا تصدقه على المصلين كلها لاترفع لله! لماذا؟ لأن بينه وبين فلان شحناء! زعل وقطيعة، قال ﷺ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا). فلنتواصل ونتحاب ونتراحم وليسرع كل متخاصمين إلى الصلح حتى ترفع اعمالهما مع عباد الله الصالحين وذلك لقول المصطفى ﷺ: (فإذا اصْطَلَحَا غُفِرَ لهما).
وقال ﷺ: (لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)
ومن أعظم اسباب التشاحن جحد الحقوق والمماطلة في سداد الديون قال رسول الله ﷺ محذرا من التساهل في حقوق الناس: (مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ فَلْيتَحَلَّلْه مِنْه الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ). وبين النبي ﷺ أن الدين لا يغفر مهما بلغ صلاح المؤمن. قام رسول الله ﷺ في أصحابه فذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ: (نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِي ذَلِكَ). فمن كان عليه دين فليعجل بسداده ويحرم تأخيره والمماطلة فيه بغير عذر. خاصة ونحن على أعتاب هذا الشهر المبارك فحري بالمؤمن أن يؤدي ما عليه من حقوق ليتفرغ للعبادة والطاعة.
اللهم يا ربنا يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم اجعل لنا أجمعين هذا الشهر الكريم المبارك مغنما، واجعله إلى الخيرات مرتقًى وسلَّما، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

---------------------------
الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتّقوا الله تعالى وقوموا رمضان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ: يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَقْبِلَ رَمَضَانَ بِالْفَرَحِ بِإِدْرَاكِهِ، لِأَنُّهُ فَضْلٌ مِنْ رَبِّكَ أَنْ تُدْرِكَ هَذَا الشُّهْرَ، لِأَنُّهُ مَوْسِمُ طَاعَةٍ وَوَقْتُ عِبَادَة. فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
فَكَمْ مِنَ النَّاسِ أختطفته الْمَنِيَّةُ فَلَمْ يَأْتِ رَمَضَانُ إِلَّا وَهُوَ تَحْتُ اللُّحُودِ وَقَدْ أَكَلَ جِسْمَهُ الدُّودُ!
عباد الله: إن من الناس من يستعدون لرمضان بالملاهي والمحرمات، ويعينهم على ذلك شياطين الجن بالوسوسة والتثبيط، ويتسلط عليهم شياطين الإنس بما يعدونهم به في فضائياتهم من مسلسلات وملهيات تصدهم عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وتزين لهم السوء، فتقسو بها قلوبهم، ويتثاقلون عن الطاعات، وربما كان في بعض مشاهدها سخرية بدين الله تعالى أو بحملته من العلماء والمحتسبين وعباد الله الصالحين، ولا يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يحضر تلك المجالس، ولا أن يستمتع بتلك المشاهد وإلا كان شريكًا لهؤلاء المجرمين الساخرين في سخريتهم بدين الله تعالى أو بعباده الصالحين: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
فعَلَيْنَا ياعباد الله أن نستغل هَذَا الشَّهْرِ بِالدَّعَاءِ، لِأَنْفُسِنَا، وَوَالِدِينَا، وَذَرَارِينَا، وَأَصْحَابِنَا، وَأَحْبَابِنَا، وَلِلْمُسْلِمِيـنَ!
اللهم تب علينا وأغفر لنا وعافنا وأعف عنا ياذا الجلال والإكرام، وبلغنا رمضان ولا تجعلنا فيه من المحرومين
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُبَلِّغَنَا رَمَضَانَ، وَأَنْ يبارك لنا فيه،  وأن يُعِينَنَا عَلَى صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَأَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، اللَّهُمَّ بَلِّغْنا رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ مِنْكَ وَأَعِنّا عَلَى صِيامِهِ وَقِيامِهِ عَلَى الوَجْهِ الّذِي يُرضْيِكَ عَنّا وَاجْعَلنَا فِيهِ مِنَ المَقْبُولِينَ.
هذا واعلموا أنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمدٍ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذ شذَّ في النار.
وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد ابن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً.
وقال : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا).
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبى بكرٍ الصديق، وعمرَ الفاروق، وعثمانَ ذي النورين، وأبي الحسنين علي، وارض اللهمَّ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللَّهُمَّ احْقِنْ دِماءَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ باِلفِئَةِ البَاغِيَةِ الّتِي تَسْتَحِلُّ الدِماءَ وَالأَمْوَالَ وَالأَعْرَاضَ وَمَنْ أَعَانَهُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَالمُنافِقِينَ.
اللهم احفظ علينا بلادنا وعقيدتنا وأمننا وإيماننا
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا ومقدساتنا بكيد فكد به ومن أرادها بمكر فامكر به
اللهم أصلح ولاة أمورنا وانصر رجال أمننا واكفهم شر الأشرار وكيد الفجّار
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبَلَ السَّلامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنْ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأْبَصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذَرِّيَاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شاَكِرِينَ لِنِعَمِكِ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لَهَا وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا!
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ