‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شهر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 سبتمبر 2018

خطبة جمعة: نهاية العام وما يحدث فيه من البدع وفضل شهر محرم

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ- عِبَادَ اللهِ- حقَّ التَّقْوَى؛ اتقوا الله فإن تقواه عليها المعوَّل، وعليكم بما كان عليه سلف الأمة والصدر الأول، واشكروه على ما أولاكم من الإنعام وطوَّل، وقصروا الأمل، واستعدوا لبغتة الأجل، فما أطال عبدٌ الأمل إلا أساء العمل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
عباد الله إِنَّ لقبول العمل عند الله عز وجل شرطين، أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، وأن يكون موافقا لسنة النبي ﷺ، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) رواه مسلم. قال سبحانه وتعالى ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَوقال ﷺ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ) متفق عليه.
يجدهم يقعون في أعمال مخالفة للشرع يظنونها صالحة، وحُسن النية لا يكفي في صلاح العمل.
ومن هذه الأعمال المخالفة للشرع: ما يكون في نهاية كل عام وبداية آخر من أشياء يتقصد الناس عملها في هذا الوقت ويتقربون لله بها! ومن هذه الأعمال المخالفة للشرع: الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية.
والمسلم الذي يحب رسول الله ﷺ حقا عليه أن يتبع النبي ﷺ إن كان صادقا في محبته قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فنبينا ﷺ لم يكن يحتفل بهذه الذكرى وكذلك أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أشد منا حبا لرسول الله ﷺ لم يحتفلوا بها.
يقول الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء: إن ذكرى الهجرة يجب أن تكون على بال المسلم طوال السنة لا في أيام مخصوصة؛ فإن تحديد أيام مخصوصة للإحتفال بمناسبة الهجرة النبوية أو لتدارسها.
إن هذا التخصيص بدعة (وكل بدعة ضلالة) فلم يكن الرسول ﷺ ولا أصحابه ولا القرون المفضلة من بعدهم يخصون هذه المناسبة باحتفال يتكرر كل عام،
وإنما كان السلف الصالح والتابعون لهم بإحسان يدرسون سيرة نبيهم ﷺ للاقتداء بها غير متقيدين بوقت معين. انتهى كلامه حفظه الله.
ثم لُيعلم أن الهجرة لم تكن في أول في شهر محرم كما يظنه بعض الناس، بل كانت في ربيع الأول
فإن الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه اتفقوا على أن يكون مبدأ التاريخ من السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ، ثم إن الصحابة بعد ذلك اتفقوا على ان تبدأ السنة بشهر محرم، لأنه شهر حرام ويلي ذا الحجة الذي فيه أداء الناس حجهم والذي به تمام أركان الإسلام لأن الحج آخر ما فُرِض من الأركان الخمسة.
عباد الله: إن من المعلوم أن أعمال الناس تنشر يوم القيامة وليس عند نهاية السنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ فنشرها يكون يوم القيامة وهذا دليل على أنها تطوى قبل ذلك بموت الإنسان كما ذكر المفسرون عند هذه الآية.
قال النووي رحمه الله: الملائكة الحفظة يصعدون بعمل الليل بعد انقضائه في أول النهار ويصعدون بعمل النهار بعد انقضائه في أول الليل. ا.هـ
وقال ابن القيم رحمه الله: عمل العام يرفع في شعبان كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال ﷺ: (فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ). ويُعرض عمل الأسبوع يوم الإثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: (تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ..)
ويعُرض عمل اليوم في الليل وعمل الليل في النهار، قال ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يُخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ الْلَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ). فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الاثنين والخميس والعرض فيها أخص من العرض في شعبان، ثم إذا انقضى الأجل رفع العمل كله وعرض على الله وطويت الصحف وهذا عرض آخر.
ثم إن تقييد العبادات بزمان بغير دليل هو من الإحداث في دين الله، فلا يجوز تخصيص آخر العام بعبادة بل ذلك بدعة.
ومِنَ الْبِدَعِ الَّتِي اِنْتَشَرَتْ فِي نِهَايَةِ الْعَامِ، وَبِدَايَةِ الْعَامِ الْجَدِيدِ: رَسَائِلُ الْحَثِّ عَلَى صِيَامِ آخِرِ، أَوْ أَوَّلِ يَوْمٍ فِي الْعَامِ؛ فَتَأَتِي الْبَعْضَ مِنَّا رِسَائِلُ تَقُولُ: (لَا يَفُوتَنَّكَ صِيَامُ آخِرِ يومٍ فِي السَّنَةِ؛ حَتَّى تَخْتَتِمَ عَامَكَ بِخَيْرٍ؛ وإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ)، وَأُخْرَى تَقُولُ:(لَا يَفُوتَنَّكُمُ صِيَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ فِي الْعَامِ؛ حَتَّى تَبْدَأَ عَامَكَ بِخَيْرٍ).
أو تقصد آخر جمعة من السنة بعبادة كإستغفار أو دعاء، أو طلب مسامحة، فلم يرد على هذا التخصيص دليل.
فتجد بعض الناس يتداولون الرسائل يتواصون فيها بعبادة معينة في آخر جمعة من العام وكل هذا من المحدثات في الدين إذ هذه الجمعة كغيرها من الجُمَع.
ومن المخالفات أيضاً تقصد طلب المسامحة من الناس في آخر السنة! وطلب المسامحة هذا لا يجوز أن يتقصد به آخر العام بل هو مشروع ضمن التوبة من التعدي على الناس في عرض أو شيء وهذا العمل لا يختص بآخر العام.
قال ﷺ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) رواه البخاري.
فهجر المسلم لايجوز في كل وقت لأن النبي ﷺ قال: (لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ)
فلنحرص على أن ننقي قلوبنا من الحسد والبغضاء، قال ﷺ: (دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعْرِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ).
اللهم أعنا على أنفسنا ونق قلوبنا من الشحناء والحسد والبغضاء.
عِبَادَ اللهِ: لَا تَسْتَهِينُوا بِمِثلِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَا تُقَلِّلُوا مِنْ خَطَرِهَا، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هّيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾، فَوَ اللهِ، ثُمَّ وَاللهِ، مَا أَصْعَبَ نَزْعَ الْبِدْعَةِ إِذَا تعلقت بها الْقُلُوبُ! وَاِسْتَحْسَنَتْهَا الْأَمْزِجَةُ وَالْأَهْوَاءُ، وَالْعُقُولُ! فَوَأْدُهَا قَبْلَ اِسْتِفْحَالِهَا أَيْسَرُ مِنْهُ بَعْدَ اِنْتِشَارِهَا وَاِسْتِشْرَائِهَا.

الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجعَل لَكُم فُرقانًا وَيُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغفِر لَكُم وَاللَّهُ ذُو الفَضلِ العَظيمِ
عباد الله: إن شهر الله المحرم هو شهر معظم في الجاهلية والإسلام، وهو أحد الأشهر الحرم الأربعة، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وسُميت حُرُما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها, وقد جاءت الإشارة إليهن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
وجاء تسمية هذه الأشهر في قول النَّبِيِّ ﷺ (إن الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ). رواه البخاري ومسلم. والطاعة في هذه الأشهر الحرم أعظم أجراً، والسيئة أشد إثماً، قال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قال تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنه آكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، فكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام... فجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم.
ومما جاء في فضل شهر المحرم قول رسول اللَّهِ ﷺ (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّم) رواه مسلم. قال العلامة ابن باز رحمه الله بعد أن ذكر الحديث: والمعنى أنه يصومه كله من أوله إلى آخره من أول يوم منه إلى نهايته هذا معنى الحديث. ا.هـ
وفي هذا فضيلة لشهر الله المحرم من وجهين.
أولهما: أنه لم يأت في الكتاب والسنة إضافة شهر إلى الله إلا هذا الشهر مما يدل على تعظيمه وعلو قدره عند الله.
وثانيهما: تخصيصه بكون الصيام فيه أفضل الصيام بعد رمضان، وقد دل الحديث على أنه يسن صيامه كله، ومن لم يستطع فليكثر فيه من الصوم فإن أجر الصيام فيه مضاعف، وآكد أيامه صوماً هو يوم عاشوراء الذي يكفر صيامه سنة كاملة.
فعلى المسلم أن يحرص على الاستكثار من صيام هذا الشهر إن لم يصمه كله، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِى، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) رواه مسلم.
وهذا دليل على أن الصيام يضاعف أجره إلى أكثر من سبعمائة ضعف بلا حد ولامقدار.
فيا عبد الله، استدرك من العمر ذاهباً، ودع اللهو جانباً، وقم في الدجى نادباً، وقف على الباب تائباً، بلسان ذاكر، وجفن ساهر، ودمع قاطر، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) أخرجه مسلم.
فأحسن فيما بقي، يُغفر لك ما مضى، فإن أسأت فيما بقي، أُخذت بما مضى وبما بقي.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا
اللهم ارزقنا العمل بالصالحات وتقبل منا ياجواد ياكريم..
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
فصلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،
اللهم بارِك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أصلِح أحوال المسلمين، اللهم أنصر الإسلام والمسلمين، اللهم اجمعهم على الحق يا رب العالمين، اللهم اجعل قلوبهم مُتآلفةً مُتحابَّة على ما يُرضيك وعلى ما فيه الخير لهم، وعلى كتابك وسنة نبيك محمد ﷺ.
اللهم انصر إخواننا المستضعفين في الشام والعراق واليمن وفي كل مكان يارب العالمين.
اللهم اكشف ما نزل بإخواننا من ضر يا رب العالمين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلَ هَذَا الْبَلَدَ آمِنَاً مُطْمَئِنَّاً وجميع بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ بِرِضَاكَ، وَارْزُقْهُمْ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ وَابْعِدْ عَنْهُمْ بِطَانَةَ السُّوءِ يَا رَبَّ الْعَالِمِينَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ بِسُوءٍ اللَّهُمَّ اشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدِبيرَهُ تَدْمِيرَاً لَهُ يَا رَبَّ الْعَالِمِينَ، اللَّهُمَّ كُنْ لَنَا وَلا تَكُنْ عَلَيْنَا، وَانْصُرْنَا وَلا تَنْصُرْ عَلَيْنَا.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

















بتصرف من خطب الشيخ عبدالله بن رجا الروقي

الأربعاء، 9 مايو 2018

استقبال رمضان

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
أَمّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القائِلِ في مُحْكَمِ كِتابِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون: هَا هُوَ الشَّهْرُ الْعَظِيمُ يُقْبِلُ عَلَيْنَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُـخْبِـرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ بِقَوْلِهِ: (قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ)، رَوَاهُ أَحْـمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
عباد الله: إن من الناس من بينه وبين أخيه أو قريبه خلاف لا يكلمه ولا يسلم عليه فيدخل رمضان ويخرج وهو على هجره وقطيعته، فماذا استفاد من رمضان؟ وهذا في خطر لأن أعماله لا ترفع لله، لا تفطيره للصائمين ولا تصدقه على المصلين كلها لاترفع لله! لماذا؟ لأن بينه وبين فلان شحناء! زعل وقطيعة، قال ﷺ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا). فلنتواصل ونتحاب ونتراحم وليسرع كل متخاصمين إلى الصلح حتى ترفع اعمالهما مع عباد الله الصالحين وذلك لقول المصطفى ﷺ: (فإذا اصْطَلَحَا غُفِرَ لهما).
وقال ﷺ: (لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)
ومن أعظم اسباب التشاحن جحد الحقوق والمماطلة في سداد الديون قال رسول الله ﷺ محذرا من التساهل في حقوق الناس: (مَنْ كَانتْ عِنْدَه مَظْلمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ فَلْيتَحَلَّلْه مِنْه الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَّا يكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سيِّئَاتِ صاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ). وبين النبي ﷺ أن الدين لا يغفر مهما بلغ صلاح المؤمن. قام رسول الله ﷺ في أصحابه فذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِﷺ: (نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلَّا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِي ذَلِكَ). فمن كان عليه دين فليعجل بسداده ويحرم تأخيره والمماطلة فيه بغير عذر. خاصة ونحن على أعتاب هذا الشهر المبارك فحري بالمؤمن أن يؤدي ما عليه من حقوق ليتفرغ للعبادة والطاعة.
اللهم يا ربنا يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم اجعل لنا أجمعين هذا الشهر الكريم المبارك مغنما، واجعله إلى الخيرات مرتقًى وسلَّما، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

---------------------------
الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتّقوا الله تعالى وقوموا رمضان، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ: يَنْبَغِي أَنْ نَسْتَقْبِلَ رَمَضَانَ بِالْفَرَحِ بِإِدْرَاكِهِ، لِأَنُّهُ فَضْلٌ مِنْ رَبِّكَ أَنْ تُدْرِكَ هَذَا الشُّهْرَ، لِأَنُّهُ مَوْسِمُ طَاعَةٍ وَوَقْتُ عِبَادَة. فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
فَكَمْ مِنَ النَّاسِ أختطفته الْمَنِيَّةُ فَلَمْ يَأْتِ رَمَضَانُ إِلَّا وَهُوَ تَحْتُ اللُّحُودِ وَقَدْ أَكَلَ جِسْمَهُ الدُّودُ!
عباد الله: إن من الناس من يستعدون لرمضان بالملاهي والمحرمات، ويعينهم على ذلك شياطين الجن بالوسوسة والتثبيط، ويتسلط عليهم شياطين الإنس بما يعدونهم به في فضائياتهم من مسلسلات وملهيات تصدهم عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، وتزين لهم السوء، فتقسو بها قلوبهم، ويتثاقلون عن الطاعات، وربما كان في بعض مشاهدها سخرية بدين الله تعالى أو بحملته من العلماء والمحتسبين وعباد الله الصالحين، ولا يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يحضر تلك المجالس، ولا أن يستمتع بتلك المشاهد وإلا كان شريكًا لهؤلاء المجرمين الساخرين في سخريتهم بدين الله تعالى أو بعباده الصالحين: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
فعَلَيْنَا ياعباد الله أن نستغل هَذَا الشَّهْرِ بِالدَّعَاءِ، لِأَنْفُسِنَا، وَوَالِدِينَا، وَذَرَارِينَا، وَأَصْحَابِنَا، وَأَحْبَابِنَا، وَلِلْمُسْلِمِيـنَ!
اللهم تب علينا وأغفر لنا وعافنا وأعف عنا ياذا الجلال والإكرام، وبلغنا رمضان ولا تجعلنا فيه من المحرومين
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُبَلِّغَنَا رَمَضَانَ، وَأَنْ يبارك لنا فيه،  وأن يُعِينَنَا عَلَى صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَأَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، اللَّهُمَّ بَلِّغْنا رَمَضَانَ وَنَحْنُ فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ مِنْكَ وَأَعِنّا عَلَى صِيامِهِ وَقِيامِهِ عَلَى الوَجْهِ الّذِي يُرضْيِكَ عَنّا وَاجْعَلنَا فِيهِ مِنَ المَقْبُولِينَ.
هذا واعلموا أنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمدٍ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذ شذَّ في النار.
وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد ابن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً.
وقال : (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا).
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبى بكرٍ الصديق، وعمرَ الفاروق، وعثمانَ ذي النورين، وأبي الحسنين علي، وارض اللهمَّ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللَّهُمَّ احْقِنْ دِماءَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ باِلفِئَةِ البَاغِيَةِ الّتِي تَسْتَحِلُّ الدِماءَ وَالأَمْوَالَ وَالأَعْرَاضَ وَمَنْ أَعَانَهُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَالمُنافِقِينَ.
اللهم احفظ علينا بلادنا وعقيدتنا وأمننا وإيماننا
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا ومقدساتنا بكيد فكد به ومن أرادها بمكر فامكر به
اللهم أصلح ولاة أمورنا وانصر رجال أمننا واكفهم شر الأشرار وكيد الفجّار
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبَلَ السَّلامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنْ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأْبَصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذَرِّيَاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شاَكِرِينَ لِنِعَمِكِ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لَهَا وَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا!
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

الثلاثاء، 27 مارس 2018

خطبة: التحذير من بدع رجب


الْحَمْدُ للهِ الذِي مَيَّزَ أَهْلَ السُّنَّةِ بِالتَّسْلِيمِ لأَدِلِّةِ الْقُرْآنِ الْمُبِين، وَآثَرَهُمْ بِالْهِدَايَةِ إِلَى دَعَائِمِ الدِّين، وَجَنَّبَهُمْ زَيْغَ الزَّائِغِين، وَضَلالَ الْمُلْحِدِين، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَفَّقَ أَهْلَ الْحَقِّ لِلاقْتِدَاءِ بِسَيِّدِ الْمُرْسَلِين، وَسَدَّدَهُمْ للإقتداء بِصَحْبِهِ الأَكْرَمِين، وَيَسَّرَ لَهُمُ اقْتِفَاءَ آثَارِ السَّلَفِ الصَّالِحِين، حَتَّى اعْتَصَمُوا مِن الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالْحَبْلِ الْمَتِين، وَمِنْ سِيَرِ الأَوَّلِينَ وَعَقَائِدِهِمْ بِالْمَنْهَجِ الْمُبِين، فَجَمَعُوا بَيْنَ الصِّدْقِ وَاليَقِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهِ، دَعَا إِلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَأَصْحَابِهِ وَمْنَ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَرَاقِبُوهُ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وَاعْلَمُوا أَنَّ الْبِدْعَةَ: هِيَ الإحْدَاثُ فِي الدِّينِ عَلَى خِلافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ عَقِيدَةٍ أَوْ عَمَل، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) وقال (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ) رواه مسلم
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ تَحْذِيرُ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِن الْبِدَعِ وَمِنْ الإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَيَقُولُ (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ ـ وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ـ) وَيَقُولُ (أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
فَانْظُرُوا كَيْفَ أَنَّ النَّبِيَّ يُحَذِّرُ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِن البِدْعَةِ مَعَ أَنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ وَأَعَلَمُ الأَمَّةِ عَلَى الإطْلاقِ، أَفَلا يَجْدُرُ بِنَا نَحْنُ أَنْ نَخَافَ مِنْهَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَيُحَذِّرَ بَعْضُنَا بَعْضَاً؟
أَيُّهَا الإِخْوَةُ: تَأَمَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ، عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ (نَعَمْ) فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ (نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ) قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ (قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ (نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا! قَالَ (نَعَمْ: قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ (تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ) فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ (فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَهَكَذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم الْفِتَنَ وَلِذَلِكَ سَأَلُوا عَنْهَا لِيَحْذَرُوا مِنْهَا، لأَنَّ مِنْ لا يَعْرِفُ الشَّرَّ مَا أَسْرَعَ أَنْ يَقَعَ فِيه!
وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَضَى بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ أَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ الإسْلامِيَّةَ سَوْفَ تَفْتَرِقُ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهَا إِلَى فِرَقٍ شَتَّى، وَالذِي عَلَى الْحَقِّ مِنْهَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مَنْ تَمَسَّكَتْ بِهَدْيِ نَبِيِّهَا عَلَى الْوَجْهِ الأَكْمَلِ، فَهَلْ نَحْنُ مِنْ تِلْكَ الطَّائِفَةِ النَّاجِيَةِ؟
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ (الْجَمَاعَةُ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ
و عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعلِ بِالنَّعلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً) قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ
وَقَدْ دَأَبَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ عَلَى إِبْعَادِ أُمَّتَهِ عَنْ الْبِدَعِ حَتَّى فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهِ بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ وَصَايَاهُ الأَخِيرَةِ .
فَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ
فَمَا أَحْسَنَهَا مِنْ وَصَيَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ! فَفِي آخِرِ حَيَاتِهِ حَذَّرَ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبِدَعِ، وَقَدْ وَقَعْتْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ مَوْقِعَهَا فِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وَلِذَلِكَ لَمْ تَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِدْعَةٌ حَتَّى لَقُوا رَبَّهَم، بَلْ كَانُوا يُحَذِّرُونَ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ وَيُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا وَإِنْ حَسُنَتْ نِيَّتُهُ .
فَعَنْ مُجَاهِدٍ بنِ جَبْرٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ طَافَ مَعَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالكَعْبَةِ وكَانَ مُعَاوِيَةُ لا يَمُرّ بِرُكْنٍ إِلا اِسْتَلَمَهُ! ويقول: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْت مَهْجُورًا . فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) يَعْنِي وَلَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ـ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقْتَ!!! فَانْتَهَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ عَرَفَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ .
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: اتَّبِعُوا وَلا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضَيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ مِنْ عَامٍ إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدْعَةً، وَأَمَاتُوا فِيهِ سُنَّةً، حَتَّى تُحْيَى الْبِدَعُ وَتَمُوتَ السُّنَنُ .
وهذا صِدّيق الأمّة أبو بكر رضي الله عنه يقول: (إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٌ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَتَابِعُونِي، وَإِنْ زُغْتُ فَقَوِّمُونِي)
فَرَضَيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مَثْوَانَا وَمَثْوَاهُمْ!
جعلَنا اللهُ جميعاً مِمَّن يستَمعونَ القولَ فيَتَّبِعونَ أحسنَهُ
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغِفُرُ اللهَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا  مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أَمَّا بَعْدُ: فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَنَّ الْبِدَعَ فِي الْغَالِبِ إِنَّمَا تَأْتِي فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُنَاسٍ عِنْدَهُمْ حُسْنُ نِيَّةٍ و وَحُبٌ للْخَيْرِ، لَكِنْ عِنْدَهُمْ جَهْلٌ فَيَقَعُونَ فِي الْبِدْعَةِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا مُبَرِّرَاً لِعَدَمِ تَأَثُّمِهِمْ وَلا لِتَرْكِ الإنكَارِ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَجِبُ الإنْكَارُ عَلَيْهِمْ وَإِرْشَادُهُمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ!
ثم اعلموا ـ إخوة الإيمان ـ أنّ شهرَ رجب من الأشهر الحرُم التي يجب فيها تعظيم أمرِ الله وترك ما حرَّم الله جل وعلا (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، ولكن لم يثبُت أنَّ للعبادة فيه مزيّةً على غيره من الشهور، ولهذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف) (ص/130)- بعد أن بيّن عدمَ مشروعيّةِ اتّخاذِه عيداً وموسماً؛ كما يفعله بعضُ النّاسِ-:
«ومن أحكامِ رجبٍ: ما ورد فيه من الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والاعتمارِ.
فأمّا الصَّلاةً: فلمْ يَصِحَّ في شهرِ رجبٍ صلاةٌ مخصوصةٌ تختصُّ به، والأحاديثُ المرويةُ في فضلِ صلاةِ الرَّغائبِ فِي أوّلِ ليلةِ جمعةٍ من شهرِ رجبٍ كذبٌ وباطلٌ لا تصحُّ، وهذه الصلاةُ بدعةٌ عند جمهورِ العلماءِ، وممّن ذكر ذلك من أعيانِ العلماءِ المتأخِّرينَ الحفاظِ: أبو إسماعيل الأنصاريُّ، وأبو بكر بن السمعانيِّ، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزيِّ، وغيرِهم، وإنّما لم يذكرْها المتقدِّمون لأنّها أُحدثَتْ بعدَهم، فلذلك لم يعرفْها المتقدِّمون، ولم يتكلَّموا فيها». قال: «وَأَمّا الصِّيَامُ: فلمْ يَصِحَّ في فضلِ صومِ رجبٍ بخصوصِه شيءٌ عنِ النَّبيِّ ، ولا عن أصحابِه».
ثمّ قال: «وَأَمَّا الزَّكَاةُ: فقدِ اعتادَ أهلُ هذِه البلادِ -يعني: بلادَ الشَّامِ- إخراجَ الزكاةِ في شهرِ رجبٍ، ولا أصلَ لذلك في السنّةِ، ولا عُرِف عن أحدٍ من السَّلفِ».
ثمّ قال: «وأمّا الاعتمارُ فِي رجبٍ: فقد روى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ اعتمَر في رجبٍ فأنكرتْ ذلك عائشةُ عليه وهو يسمعُ فسكَتَ»
ثمّ قال: «وقد رُوي: أنّه كان في شهرِ رجبٍ حوادثُ عظيمةٌ و لم يصِحَّ شيءٌ من ذلك فرُوي: أنّ النّبيَّ وُلِدَ في أوّلِ ليلةٍ منه، وأنّه بُعث في السَّابعِ والعشـرِينَ منه، وقيل: في الخامسِ والعشرِينَ، ولا يصِحُّ شيءٌ من ذلك، ورُوي بإسنادٍ لا يصِحُّ عن القاسمِ بنِ محمّدٍ: أنّ الإسراءَ بالنَّبيَّ كان فيِ سابعٍ وعشـرينَ من رجبٍ، وأنكَرَ ذلك إبراهيمُ الحربيُّ وغيرُه».
وبمثل قولِ الحافظِ ابنِ رجبٍ رحمه الله قال كثيرٌ من العلماءِ المحقِّقين؛ فقد قال قبلَه العلّامةُ ابنُ القيِّم رحمه الله في (المَنارُ المُنيْف) (ص/96): «وكلُّ حديثٍ في ذكرِ صومِ رجبٍ وصلاةِ بعضِ اللَّيالِي فيهِ؛ فهُو كذبٌ مُفترى». وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "لم يرِد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيءٍ منه معيَّن ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديثٌ صحيح يصلح للحجة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "صلاةُ ليلة السابِع والعشرين من رجب وأمثالها فهذا غَير مشروع باتفاق أئمة الإسلام، كما نصّ على ذلك العلماء المعتبَرون، ولا ينشِئ ذلك إلا جاهل مبتدع".
وقد ابتدعوا في شهرِ رجبَ نسيكةٌ يسمّونها (العَتيرة) والعتيرة هي ذبيحة كان يذبحها أهل الجاهلية في شهر رجب , وجعلوا ذلك سنة فيما بينهم كذبح الأضحية في عيد الأضحى. وقد اختلفَ العلماءُ فيها بين قوله : (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ) متفق عليه؛ والفَرَعَ هو أول ولدٍ للناقة كانوا يذبحونه لأصنامهم، وبين قوله (العتيرةُ حقٌّ) النسائي وحسَّنه الألباني؛ ووجّهُوها على العتيرةِ المشروعةِ التي تُذبحُ قربةً لله لا لتعظيمِ رجب، والمنهيّ عنها هي التي أبطلها الإسلامُ وهي عتيرةُ الجاهليةِ.
ونسبوا ما قيل فيه من الأحاديث الضعيفة ما يروى عن النبي أنه كان يقول إذا دخل شهر رجب: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ). هذا حديثٌ ضعيفٌ منكر، لا يصح عن النبي ، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء، لأنه لم يصح عن رسول الله وإنما قلته لكم لأنه يوجد في بعض أحاديث الوعظ، يوجد هذا الحديث فيها، ولكنه حديثٌ لا يصح عن النبي .
فاحذروا ـ عباد الله ـ ممّا ليس بمشروع، والزَموا السنة في كل شيء؛ تفوزوا وتسعدوا بخيرَي الدنيا والآخرة. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الوَاجِبَ عَلَيْنَا جَمِيعَاً الْحَذَرُ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهَا، وَتَجَنُّبُ مَا يُقَامُ فِيهَا وَمِنْ أَجْلِهَا، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمَاً نَافِعَاً وَعَمَلاً صَالِحَاً، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِنا دِينِنا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا وَأَصْلِحْ لِنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشِنا وَأَصْلِحْ لِنا آخِرَتِنا الَّتِي فِيهَا مَعَادِنا وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِنا فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وِأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ صَحَابَتِهِ وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعيِهِم إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفْوِكَ وَمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .